فقد بان إذا أنّ شيئا ثباته على سبيل الحدوث فهو الحركة ، وأنّ له علّة إنّما تكون علّة بالفعل لحدوث متجدّد يعرض في حال لها ، وتكون له ذات باقية بالعدد متغيّرة الأحوال ولولا أنّها متغيّرة الأحوال لم يحدث عنها تغيّر ، ولولا أنّ لها ذاتا باقية لم يحدث عنها اتّصال التغيّر ، وعلى أنّه لا بدّ للتغيّر من حامل باق .
فقد انكشفت الشبهة المسؤول عنها ، إذ ظهر أنّ علل ثبات الحادثات تنتهى إلى علل أولى لها ثباتها من جهة ما هي علل هو بالتجدّد والحدوث ، والمتصرم من أحوالها مع ذاتها علّة للمتجدّد ، وليس يحتاج إلى علّة ثابتة لذات المعلول ، فيؤدّى الأمر إلى إثبات علل غير متناهية معا ، بل الحركة تقرب علّة فعل ما أو علّة اتّصال الحوادث إلى معلولاتها وتبعدها عنه ، وللقرب حدّ وللبعد حدّ ، وبينهما عرض ، وفي هذا العرض تكون نسبة ما ثابتة ، وان كان ثباتها لازما للتغيّر . فتلك النسبة الثابتة علّة لثبات ما يحدث في هذه النسبة الثابتة ، مثل وجود الشمس فوق الأرض ، لكون النهار أو زوال العشىّ ، فانّ معنى أنّ الشمس فوق الأرض واحد في جميع النهار ، وإن كان على سبيل تغيّر وانتقال من مكان ، فيكون معنى واحد حصّله التغيّر وثبت على التغيّر فلا يحتاج إلى علّة أخرى ثابتة ، وثبت التغيّر بتغيّره .
على هذه الجهة يكون حال الحادثات .
فقد بان أيضا من هذا أنّه لا بدّ في اتّصال الكون من حركة متّصلة ، ولا يتّصل غير المكانيّة ، ومن المكانيّة غير المستديرة ؛ فإن كان كون كانت حركة متّصلة لا محالة .
[ فصل 23 ] في جميع صفات واجب الوجود
فلنرجع إلى الغرض الأوّل فنقول : إنّه قد ظهر لنا انّ شيئا واجب الوجود أوّلا بذاته ، وأنّه واحد من وجوه ، لأنّه غير منقسم الذات بالكميّة ، ولا بالصورة والموادّ ، ولا بأجزاء الحدّ ، ولأنّه لا يمكن أن يكون وجوده بغيره .