القوّة الغريبة ، فحينئذ تستولي القوّة الطبيعيّة ، وتحدث حركة مائلة من تجاذب القوّتين أحدهما إلى جهة القوّة الطبيعيّة .
ولولا حال مصادمة المتوسّط وكسره للقوّة الغريبة لكانت القوّة الطبيعيّة لا تستولي عليها البتة إلّا بعد بلوغها الغاية التي يوجبها تناهي كلّ قوّة جسمانيّة .
وكلّ قوّة محرّكة على الاستقامة فسكونها في تلك الغاية ، لأنّ تلك الحركة تطلب ذلك السكون ، فإذا بطل الميل واندفع الجاذب عن تلك القوّة بموافاتها مكانها المطلوب عادت القوّة الطبيعيّة إلى فعلها إن وهنت القوّة بتمام فعلها أو بأسباب أخرى .
وإنّما حكمنا بهذا الحكم ، لأنّ القوّة الغريبة لولا أنّها استولت على القوّة الطبيعيّة لما قهرت ميلها ؛ ثمّ لا يجوز أن يستحيل المغلوب غالبا والغالب مغلوبا إلّا بورود سبب على أحدهما أو كليهما ، ومحال أن يتوهّم أنّ القوّة العرضيّة تبطل بذاتها ، فلا يجوز أن يكون شئ من الأشياء يبطل بذاته أو يوجد بذاته ، بعد أن يكون له ذات تثبت وتوجد ؛ فالقوّة الطبيعيّة إنّما تعود غالبة على القوّة العرضيّة بمعاوق ينضمّ إليها ، وذلك أنّ المعاوق يعاوقها معاوقة بعد معاوقة تكون مقاومة لما يتحرّك فيه ، فيكون لذلك تأثير في القوّة الغريبة بعد تأثير . وقد شبعنا الكلام في ذلك حيث تكلّمنا الكلام المبسوط على الأحوال كلّها ، فانّ القوّة القسريّة حالها في إيجاب الحركة بتجدّد الايون عليها حال الطبيعة إلى أن تبطل .
فان قال قائل : إنّا نرى الماء تبطل حرارته المستفادة بذاتها ، لانّها عرضيّة .
فانّا نقول له : كلّا ، بل كانت الحرارة تثبت قوّتها في الماء لحضور علّتها المجدّدة لقوّتها دائما ؛ فإذا بطلت علّتها وتجديدها فيه الحرارة شيئا بعد شئ أقبل عليها برد الهواء والقوّة المبرّدة في الماء ، فابطلاها ، وكانا قبل يعجزان عن إبطالها ، لحضور القوّة المسخّنة المجدّدة دائما بسخونة بعد سخونة ، وتسخّن الهواء المماسّ لذلك الماء مع الماء .
المبدأ والمعاد — صفحة 30
مساهمون: أبو علي سينا
ص٣٠