تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المبدأ والمعاد — صفحة 90

مساهمون:

ص٩٠
ولولا أنّ للشمس مثل هذه الحركة لم يكن شتاء ولا صيف ولا فصول ، فخولف بين منطقتى الحركتين وجعلت الأولى سريعة وهذه بطيئة ، فالشمس تميل إلى الجنوب شتاء ، ليستولى على الأرض الشماليّة البرد ، وتحقن الرطوبات في بطن الأرض . وتميل إلى الشمال بعد ذلك صيفا لتستولى الحرارة على ظاهر الأرض وتستعمل الرطوبات في تغذية النبات والحيوان . فإذا جفّ باطن الأرض يكون البرد جاء والشمس مالت . فتارة يمتلى الأرض غذاء وتارة تغذو . ولمّا كان القمر يفعل شبيها بفعل الشمس من التسخين والتحليل إذا كان متبدّرا قوىّ النور جعل مجراه في تبدّره مخالفا لمجرى الشمس . فالشمس تكون في الشتاء جنوبيّة والبدر شماليّا ، لئلا يعدم السببان المسخّنان معا ؛ وفي الصيف تكون الشمس شماليّة والبدر جنوبيّا ، لئلّا يجتمع السببان المسخّنان معا . ولمّا كانت الشمس صيفا على سمت رؤوس أهل المعمورة جعل أوجها هناك ، لئلّا يجتمع قرب الميل وقرب المسافة معا ولا يشتدّ التأثير . ولمّا كانت الشمس شتاء بعيدة عن سمت الرؤوس جعل حضيضها هناك ، لئلّا يجتمع بعد الميل وبعد المسافة فينقطع التأثير . ولو كانت الشمس دون هذا القرب أو فوق هذا البعد لما استوى تأثيرها الذي يكون عنها الآن . وكذلك يجب أن يعتقد في كلّ كوكب وفي كلّ شئ ويعلم أنّه بحيث ينبغي أن يكون عليه وانّها لم تكن على ما هي عليه من أجل ما بعدها ، فانّها على ما هي عليه من أجل نظام الخير في الكلّ وتابعة لعلم الباري أنّه كيف ينبغي أن يكون الخير في الكلّ . فان سمّى هذا المعنى قصدا فلا بأس به ، ولا يكون القصد الذي تلزمه المحالات المذكورة . وهذا هو الذي يسمّيه الأوائل عناية ، اعني سابق علم الله تعالى ، بأنّه كيف يجوز أن يكون الوجود كلّه وكلّ جزء منه في ذاته وفعله وانفعاله . وإن لم يكن هو لأجل فعله ، وأنّه كيف ينبغي أن يكون صدور الخير منه الذي يتبع خيريّته ، لا أن يقصده جوهر ، تعالى اللّه الغنىّ عن كلّ شئ .