[ فصل 3 ] في تكوين الحيوانات وقوى النفس الحيوانيّة
وإذا امتزج العناصر امتزاجا أكثر اعتدالا تهيّأت لقبول النفس الحيوانيّة ، وذلك بعد أن تستوفى درجة النفس النباتيّة . والنفس الحيوانيّة كمال أوّل لجسم طبيعي آلىّ من شأنه أن يحسّ ويتحرّك بالإرادة .
وقوى هذه النفس تنقسم إلى مدركة ومحرّكة . فالمدركة تنقسم إلى ظاهرة وباطنة . ومبدأ الحركة ينقسم إلى جالب للنافع ، وهو الشهوة للّذيذ ؛ ودافع للضارّ ، وهو الغضب الشائق إلى الانتقام ، ويتمّ فعلها بالتشويق والاجماع .
وأمّا المدركات فالظاهرة منها هي الحواسّ الخمس في الظاهر ، وفوق الخمس بالحقيقة ، لأنّ اللمس ليست قوّة واحدة ، بل أربع قوى ، كلّ يختصّ بمضادّة واحدة ، فللحر والبرد حاكم ، وللّين والصلب حاكم ، ولليابس والرطب حاكم ، وللخشن والأملس حاكم . ولكن لمّا كانت هذه القوى فاشية معا في آلة واحدة في الظاهر ظنّت قوّة واحدة .
وأمّا في الباطن فالقوى التي للحيوانات الكاملة خمس أو ستّ .
أوّلها قوّة الفنطاسيا ، وتسمّى الحسّ المشترك ، وهي التي يؤدّى إليها الحواسّ ما أحسّته . وهي الحاسّ بالحقيقة .
ثمّ القوّة الخياليّة ، وهي التي تحفظ ما أدّته الحواسّ من الصور المحسوسة . والفرق بينها وبين الأولى أنّ الأولى قوّة قابلة والخياليّة قوّة حافظة ، وليست القوّة القابلة والحافظة واحدة .
وتتلو القوّة الخياليّة قوّة أخرى إذا كانت في الناس واستعملها العقل سميّت القوّة المفكّرة ، وإذا كانت في الحيوانات أو في الناس واستعملها الوهم سمّيت القوّة المتخيّلة . والفرق بينها وبين الخيال أنّ الخيال لا يكون ما فيه إلّا مأخوذا عن الحسّ ، والمتخيّلة قد تركّب وتفصّل وتحدث من الصور ما لم يحسّ