تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المبدأ والمعاد — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩
الأرض أكبر بالكم في الحيوان والنبات ، ويكون مكان الحيوان والنبات حيث تكون الأرض . ومع ذلك فقد كان يجب أن يكون مكانها أبعد عن الحركات السماويّة ، فانّ تلك الحركة إذا بلغت بتأثيرها الأجساد غيّرتها وأفسدتها . فوضعت الأرض في أبعد المواضع عن الفلك ، وذلك هو الوسط . وإذا كان الماء يتلو الأرض في هذا المعنى وكان مكانا أيضا لكثير من الكائنات وكان يشارك الأرض في الصورة الباردة جعل الماء يتلو الأرض . ثمّ الهواء لهذا السبب ولأنّه يشارك النار والماء في الطبيعة . ولمّا كانت الكواكب أكبر تأثيرها بوساطة الشعاع النافذ عنها وخصوصا الشمس والقمر وكانت هي المدبّرة لما في هذا العالم ، جعل ما فوق الأرض من الاسطقسات مشفّا لينفذ فيه الشعاع وجعلت الأرض ملوّنة بالغبرة ليثبت عليها الشعاع . ولم يحط بها الماء لتستقرّ عليها الكائنات . والسبب الطبيعي في ذلك يبس الأرض وحفظها للشكل الغريب إذا استحال منه أو إليه فلا يبقى مستديرا ، بل مضرّسا ، ويميل الماء إلى الغور من أجزائه . والأجرام السماويّة لم يكن كلّها بجميع أجزائها مضيئة وإلّا لتشابه فعلها في الأمكنة والأزمنة ، ولا بجميع أجزائها مشفّة وإلّا لما نفذ عنها الشعاع ، بل خلق فيها كواكب . ثمّ لم يترك الكواكب ساكنة وإلّا أفرط فعلها في موضع بعينه ففسد ذلك الموضع ، ولم يؤثّر في موضع آخر ففسد ذلك أيضا ، بل جعلت متحرّكة لينتقل التأثير من موضع إلى موضع ، ولا يبقى في موضع واحد فيفسد ، ولو كانت الحركة التي نرى لها غير سريعة لفعلت من الافراط والتقصير ما يفعله السكون ، ولو كانت حركتها الحقيقيّة تلك السريعة بعينها للزمت دائرة واحدة ، فافرط فعلها هناك ولم يبلغ فعلها سائر النواحي ، بل جعلت هذه الحركة فيها تابعة لحركة مشتملة على الكلّ ، ولها في نفسها حركة بطيئة يميل بها إلى نواحي العالم جنوبا أو شمالا .