تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكامل في الاستقصاء فيما بلغنا من كلام القدماء — صفحة 54

مساهمون:

ص٥٤
وغروبها ، ومن دوران الأفلاك الدائرات ، والسفن الجاريات ، والرياح الذاريات ، والشهب والصواعق في الهوىّ ، وتغير أحوال الماء وإنشاء الغيوم الثقال ، وإنزال الأمطار على الوهاد ورؤوس الجبال لتسقي الزرع والأشجار ، وتزينها بالأزهار والثمار ، واختلاف الليل والنهار ، والفصول والأحوال . وقد جمعها الله تعالى في قوله :
( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ . . .
إلى أن قال :
لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
( سورة البقرة ( 2 ) / 164 ) وإذا عرف كل عاقل تجدد هذه الأمور وتغير هذه الأحوال ، وعجز الأجسام عنها عرف ظاهرا أن لها محدثا للأجسام والأعراض » « 1 » . وهكذا ينتهى ، الاعتزال المتأخر أو الجديد ، كما رأينا ، إلى تراجع متنام على مر القرون التي تلت القرن الخامس الهجري حين كانت مدرسة القاضي عبد الجبار مزدهرة هي المدرسة التي نبت فيها هذا الاتجاه خاصة في مؤلفات أبي الحسين البصري وأهمها « المعتمد في أصول الفقه » « 2 » . والّذي نقل عنه وتأثر به تقي الدين النجراني ، كما سبق ذكره ، ثم « المعتمد في أصول الدين » لابن الملاحمي ، ثم وصل إلى ذروته عند تقي الدين النجراني في كتابيه « الكامل » و « المجتبي » في القرن السابع . وقد ساعدت جهود بعض مشاهير الأشاعرة المتأخرين مثل أبي المعالي الجويني ، وأبي حامد الغزالي ، ومن بعده إلى عضد الدين الإيجي على تقريب الأشعرية من الاعتزال ، مما يتناظر مع جهود متأخري الزيدية الذين نقلوا عن المؤيد بالله ، تلميذ القاضي . ثم تواترت هذه الجهود الزيدية والإمامية إلى أمثال سديد الدين محمود بن علي بن الحسن الحمصي الرازي ( ت 600 ه / 1202 م ) ؛ ثم كمال الدين أبي جعفر أحمد بن علي بن سعيد البحراني ( توفى قبل 672 ه / 1274 م ) ، ثم نصير الدين الطوسي ( 672 ه / 1274 م ) ، ثم ميثم بن ميثم البحراني ( ت 699 ه / 1298 م ) ، ثم الحسن بن يوسف بن مطهر الشهير بالعلامة الحلي ( ت 726 ه / 1325 م ) الّذي كان معاصرا لابن
هامش
( 1 ) انظر الترجيح ، ص 109 ، 110 . ( 2 ) حققه محمد حميد الله ، دمشق ، 1964 / 1965 .