تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكامل في الاستقصاء فيما بلغنا من كلام القدماء — صفحة 56

مساهمون:

ص٥٦
العقلي والاعتداد بالمنطق ، بل يتخطى ذلك ليتجه إلى روحانية تذكرنا بروحانية أبي حامد الغزالي ، بل ربما تتجه إلى تصوف شبيه بالتصوف السني ، يرتكز على وجهة خاصة في نظرية المعرفة تقوم على الوحدة بين الروح ، السر الأعظم المجرد ، والقلب آلة التفكير المحسوسة « 1 » . ويزداد هذا الاتجاه وضوحا إذا ما استحضرنا ما ذكره تقي الدين في نهاية الفصل السابع من المخطوطة التي تقدم لها بهذه الدراسة ، حيث يقول : « والأولى عندي في هذه المسألة أن نتمسك بالدلائل السمعية . وهذه مسألة لا يحتاج في معرفتها إلى معرفة الحكمة ، بل يمكن معرفة الحكم بدونها . فيعلم أنه - تعالى - صادق فيما يخبر عنه وقد أخبر في عدة مواضع أنه سميع بصير ، وقال :
( إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى )
« 2 » ، وقال :
( قَدْ
« 3 »
سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها )
« 4 » . فصح أنه سميع بصير . وقد قرر هذه الدلالة شيخنا ركن الدين في « المعتمد » و « الفائق » ، والتمسك بها أسهل وأسلم . والله أعلم » « 5 » . ودون الدخول في تفاصيل تخرجنا عن حدود هذه الدراسة المختصرة التي نقدم بها لتحقيق هذه الموسوعة الكلامية الجديدة « الكامل في الاستقصاء » . فإن معالم تراجع الاعتزال التقليدي أصبحت واضحة ؛ وقد تزداد وضوحا باكتشاف مؤلفات اعتزالية تالية لكتاب « الكامل » وصاحبه تقي الدين النجراني . وقد تكتشف مؤلفات اعتزالية أخرى متأخرة تدل على خطأ هذه الرؤية التي عبرنا عنها ، فالعمدة في كل حال هي النصوص المباشرة التي ينبغي أن تستند إليها أحكامنا . ويكفى مخطوطتنا ، على كل حال ، أن تكون أحدث المؤلفات الاعتزالية التي تطلعنا على مراحل هامة في تطور الاعتزال التقليدى في عصوره المتأخرة فيما بين القرنين الخامس والسابع الهجريين أي آخر مراحله المعروفة إن لم تكن خاتمته على الإطلاق .
هامش
( 1 ) انظر المخطوطة ص 86 ب سطر 20 - 21 ؛ ص 87 سطر 1 - 2 . ( 2 ) سورة طه ( 20 ) / 46 . ( 3 ) أضيفت « قد » لأنها ساقطة من الأصل المخطوط . ( 4 ) سورة المجادلة ( 58 ) / 1 . ( 5 ) المخطوطة ص 102 وما بعدها .