وأما الكلام عليهم في المقام الثالث فنقول : لو لزم من نفي الدليل على ثبوت الشيء الجزم بعدمه ، لزم منه أيضا الجزم بوجوده ، وذلك متناقض ، وانتاج المتناقض يكون باطلا . فإذن هذه الطريقة باطلة .
بيان أن لو لزم من نفي الدليل على ثبوت الشيء الجزم بعدمه للزم منه الجزم أيضا بوجوده من وجهين « 1 » . :
أحدهما : أن جزم النافي بالنفي أمر ثبوتي ، أعني اعتقاده على وصف كونه علما مطابقا للمعلوم ، إما أن يلزم من عدم الجزم بالنفي الجزم بالثبوت أو لا يلزم . فإن لزم فنقول : إنه كما لم يوجد ما يقتضي ثبوت المطلوب لم يوجد ما يقتضي ثبوت الجزم بعدمه ، وليس الاستدلال بعدم دليل « 2 » ثبوت الشيء على ثبوت الجزم بانتفائه بأولى من الاستدلال بعدم دليل ثبوت الجزم بالنفي على ثبوت المطلوب . فإما أن تحصل الدلالتان معا فحينئذ يلزم منه الجزم بالثبوت وبالعدم ، وإما أن لا « 3 » يحصل واحد منهما فيكون ذلك اعترافا بأن عدم دليل الثبوت لا يقتضي الجزم بالنفي ( وأما إن كان لا يلزم من عدم الجزم بالنفي ) « 4 » الجزم بالثبوت فذلك إنما يمكن إذا كان بينهما واسطة . وإذا كان كذلك لم « 5 » يلزم من عدم ما يقتضي الجزم بالثبوت الجزم بالنفي لاحتمال القسم الثالث وهو عدم الجزم أصلا في كلا طرفي الثبوت والعدم وحصول التوقف .
والثاني : إن جاز أن يستدل بعدم دليل الثبوت على النفي جاز أن يستدل بعدم دليل النفي على الثبوت ، فيلزم منه الجزم بالإثبات والنفي معا وهو محال .
لا يقال : الفرق بينهما من وجوه خمسة / أحدهما : أن نقول : إنا ما نفينا ثبوت ما لا دليل عليه لمجرد كونه لا دليل عليه حتى يلزمنا ما قلته بل لما ذكرنا وهو أن تجويزه
هامش
( 1 ) في الأصل : « وجهان » .
( 2 ) مضافة في الهامش .
( 3 ) مضافة في الهامش .
( 4 ) مضافة في الهامش .
( 5 ) في الأصل : « لا » .