فصل في كونه تعالى مريدا
اتفق المسلمون في وصفه تعالى بأنه مريد ولكن اختلفوا في فائدته . فذهب أبو الهذيل والنظام والجاحظ وأبو القاسم البلخي وشيخنا ركن الدين رحمهم الله إلى أنه لا للإرادة والكراهة « 1 » شاهدا وغائبا ، إلا الداعي أو الصارف ، وذلك في الشاهد هو العلم أو الاعتقاد أو الظن لاشتمال الفعل على مصلحة أو مفسدة إما راجعة إلى الفاعل أو إلى غيره ، ولمّا استحال في حق الله تعالى الاعتقاد والظن / لم يكن الداعي في حقه والصارف إلا العلم باشتمال الفعل على المصلحة أو « 2 » المفسدة إلى غيره .
وأما شيخنا أبو الحسين رحمه الله فإنه سلم كون الإرادة زائدة على الداعي في الشاهد دون الغائب ، وذهب أبو علي وأبو هاشم وقاضي القضاة وجمهور أهل السنة إلى إثبات صفة له تعالى زائدة على الداعي والصارف ، وقالوا : هي التي لأجلها تتخصص الأفعال بوقت دون وقت ، ومقدار دون مقدار ، وبوجه دون وجه ، وأنه لما أراد إيجاد العالم في الوقت الذي أوجده فيه ، وبذلك المقدار ، وبكونه إحسانا إلى العباد كان ذلك ، ولو لم يكن أرادها ذلك لم يكن ، وكذا هذا في حق الواحد منا إذا سجد وأراد السجود أن يكون لله تعالى كان لله ، ولو أراد أن يكون للصنم كان للصنم ولو أخبر أن زيدا في الدار فالخبرية إرادة كون خبره خبرا عنه ، وكذا « 3 » هذا في سائر أفعاله .
ثم إنهم بعد اتفاقهم في هذا الأمر الزائد اختلفوا في كيفيته ، فذهب بعضهم إلى أنه تعالى مريدا لذاته وهو النجار « 4 » ، وذهب بعضهم إلى أنه مريد بإرادة قديمة وهو الأشعري ، وذهب أبو هاشم وقاضي القضاة إلى أنه تتجدد له صفة « مريدية » لم تكن له من قبل . ثم إن لهم أصلا آخر وهو أن الصفة المتجددة لا تثبت إلا لمعنى ، كما سبق تقريره في مسألة الأكوان ، وبينا في تلك المسألة بطلانه ، فيقولون لأجل ذلك : إن هذه
هامش
( 1 ) مستدركه بالهامش .
( 2 ) في الأصل : « و » .
( 3 ) مستدركة بالهامش .
( 4 ) الحسين بن محمد بن عبد الله البغدادي ، المعروف بالنجار من متكلمي المجبرة . توفى حوالي عام 220 ه / 835 م ( انظر : البغدادي هدية العارفين 1 / 303 - 304 ، الفهرست لابن النديم 1 / 79 ) .