تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكامل في الاستقصاء فيما بلغنا من كلام القدماء — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥

مسألة إثبات الصانع للعالم

هذه المسألة مع وقوع الاتفاق على أنه لا بدّ / من صانع للعالم اختلفوا في طريقه . فذهب أبو هاشم إلى طريقة القياس على ما نفصله وذهب سائر الشيوخ ، وهو اختيار أبي الحسين رحمه الله ، إلى إثباته لهذا ابتداء من غير قياس . وتقرير ذلك من وجوه ، أحدها : وهو ما ذكره الكعبي رحمه الله « 1 » ، وهو أن نقول : لما علمنا أن العالم محدث ، وعلمنا بالضرورة أن كل محدث يحتاج إلى محدث ، علمنا أنه لا بدّ من محدث . وأما أن العلم بأن كل محدث فلا بد له من محدث علم ضروري فلا إشكال فيه ، لأن كل إنسان إذا رأى بناء « 2 » لم يكن شاهده ، أو رأى خطا مكتوبا بعد أن لم يكن ، فإنه يقطع على أنه لا بدّ من بان وكاتب . وهذا حاصل عند المراهقين فكيف عند كاملي العقول ، وكذلك لو كنا في بيت وسمعنا دق الباب فإنا نقطع في الحال من غير نظر أنه حدث أمرا ما ، إنسان يدق الباب أو ريح أو شيء من الأشياء ، ولولا أن احتياج المحدث إلى المحدث معلوم بالضرورة وإلا لما حصل العقل في هذه الصور قبل النظر . فإن قيل : إنكم دخلتم فيما عبتم على مشايخكم من القياس فإنكم أيضا استدللتم بصورة البناء والكتابة وأمثالها كما أنهم استدلوا بتصرفاتنا ومع ذلك زدتم في العيب « 3 » حتى ادعيتموه ضرورة مع تمسككم بالاستدلال فكنتم أسوأ حالا من مشايخكم . الجواب : العلوم الضرورية بعضها بديهية نحو العلم بكون الواحد نصف الاثنين ، فهذا يكفي الجزم بالتصديق تصور طريقه من الحكم والمحكوم عليه . وبعضها تجريبية ، نحو العلم بأن الزجاج ينكسر بالحديد ، والقطن يحترق بالنار . وهذه العلوم التجريبية وإن كانت ضرورية بعد استقراء بعض الصور « 4 » كما فيما ضربنا من المثال ، فإذا رأى
هامش
( 1 ) انظر ملحق الأعلام . ( 2 ) غير واضحة . ( 3 ) غير واضحة . ( 4 ) في الأصل : « الصوت » والمثبت هو الصواب .
الكامل في الاستقصاء فيما بلغنا من كلام القدماء — صفحة 155 | مختار بن محمود العجالي ( تقي الدين النجراني )