وأعبدهم يأكل كل أربعين يوم مرة ، وفي أخرى في كل أضحى مرة لأنه كان يعلم أن الجميع يأكلونه ، وقال هو بنفسه : « قد اكتفى من دنياكم بطمريه ومن طعمه بقرصيه » حتى أن أولاده عليه السّلام كان يتبعون سيرته فكان يأكل أحدهم خبزا وبقلا في الحيرة فسأله بعض عن أكله وانه لم لا يأكل أطائب الطعام ؟ فقال :
اين أنت من أمير المؤمنين عليه السّلام حتى أنه في ليلة ضرب في سحرها قدمت له أم كلثوم بنته في طبق واحد لبنا وملحا فلم يرض عليه السّلام بذلك وأمرها برفع اللبن وبالجملة فهو أزهد الزاهدين وخطبه وكلماته في الزهد قدوة كل طالب ومنية كل طالب .
( واعبدهم ) حتى أن جبهته كانت كركبة البعير لكثرة سجوده ، وكان من شدة توجهه والتفاته إلى مولاه حال الصلاة انهم كانوا يستخرجون النصول من جسده وقت الصلاة لالتفاته بالكلية إلى اللّه واستغراقه في المناجاة معه ، وكان يغشى عليه في كل ليل مرات من خوفه تعالى كما يخبرنا بذلك قصة أبى الدرداء الطويلة وخبر ضرار عند معاوية معروف ، وكان يصلى في كل ليلة الف ركعة ، وانبسط له ليلة الهرير بساط فصلى عليه والسهام تقع بين يديه والنصول إلى جوانبه . وقد كان زين العابدين عليه السّلام مع كثرة عبادته حتى لقب بهذا اللقب وحتى قالت جارية له : « ما فرشت له ليلا ولا قدمت إليه طعاما نهارا » كناية عن قيامه جميع الليالي وصيامه جميع الأيام إذا نظر إلى الصحيفة التي كانت فيها عبادات علي ( ع ) يستصغر عبادة نفسه أشد استصغار ، وكان يجلس بعد صلاة الصبح إلى أول الشمس يعقب وينزجر من ترك الناس ذلك ، وقد ضرب وهو في الصلاة ، وكان كثير البكاء حتى لقب بتاج البكائين وقال الشاعر : « هو البكاء في المحراب ليلا »
القول السديد في شرح التجريد — صفحة 371
مساهمون: السيد محمد الحسيني الشيرازي
ص٣٧١