بدعوة الخلق إلى الدين الحقّ ، انقلبت الدنيا من الباطل « 1 » إلى الحقّ و من الكذب إلى الصدق و من الظلمة إلى النور و بطلت هذه الكفريات و زالت هذه الجهالات عن أكثر بلاد العالم لا سيّما فى وسط المعمورة و نطقت الألسنة بتوحيد الله تعالى و استنارت العقول بمعرفة الله تعالى و رجع الخلق من حبّ الدنيا إلى حبّ المولى به قدر الإمكان ؛ و هذا غاية التكميل . و لا معنى للنبوّة إلّا تكميل الناقص فى القوّة النظرية و فى القوّة العملية . و رأينا أنّه حصل هذا الأثر بسبب مقدم محمّد - صلّى الله عليه [ و آله ] و سلّم - أكمل و أظهر مما ظهر بسبب مقدم موسى و عيسى - عليهما السلام - علمنا أنّه كان سيّد الأنبياء و قدوة الأصفياء .
قال الإمام : و هذا البرهان عندى أفضل و أكمل من البرهان الأوّل . لأنّ هذا تجرى مجرى برهان اللمّ « 2 » . لأنّا بحثنا عن معنى النبوّة ، فعلمنا أنّ معناها أنّه شخص بلغ فى الكمال فى القوّة النظرية و العملية إلى « 3 » حيث يقدر على معالجة الناقص فى هاتين القوّتين ، و علمنا أنّ محمدا - صلّى الله عليه [ و آله ] و سلّم - كان أكمل البشر فى هذا المعنى ، فوجب كونه أفضل الأنبياء . و أمّا البرهان الأوّل فانّه يجرى مجرى برهان الإنّ « 4 » .
فإنّا نستدلّ بحصول المعجزات على كونه نبيّا . و هو يجرى مجرى الاستدلال بأثر من آثار النبىّ على وجوده . و لا شكّ أنّ برهان اللمّ أقوى من برهان الإنّ ؛ لأنّ دلالة العلّة على
هامش
( 1 ) . اصل : المباطل .
( 2 ) . ش : اعلم أنّ برهان اللمّ هو الاستدلال بالعلّة على المعلول . كما يقال هذه الخشبة قد مسّتها النار و كلّ خشبة قد مسّتها النار فهى محترقة فهذه الخشبة محترقة . فهذا الاستدلال بالعلّة على المعلول . لأنّا استدلنا بالمماسّة على الاحتراق و المماسّة علّة للاحتراق . و برهان اللمّ أقوى من برهان الإنّ . لأنّ دلالة العلّة على المعلول أقوى من دلالة المعلول على العلّة .
( 3 ) . اصل : أى .
( 4 ) . ش : اعلم برهان الإنّ هو الاستدلال بالمعلول على العلّة . كما يقال هذه الخشبة محترقة و كل محترقة قد مسّتها النار فهذا استدلال بالمعلول على العلّة . لأنّا استدلنا بحصول الاحتراق على مماسّة النار و الاحتراق معلول مماسّة النار .