لا ينتهى إلى حدّ الإلجاء أى الاضطرار و عدم التمكّن من المعاصى . و هذا القول قريب من قول الحكماء إنّه الموصوف بملكة لا يصدر [ عنه ] المعاصى و يكون متمكّنا ، و سمّوها عفّة ؛ و هذا المذهب هو المختار . لأنّ عدم المعصية لو كان لعدم التمكّن لما استحقّ المدح و الثواب ؛ و لقوله تعالى :
« قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ »
« 1 » و قوله تعالى :
« وَ لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ »
« 2 » ، و النهى مع عدم القدرة عبث .
ثم أصحاب هذا المذهب زعموا أنّ العصمة إنّما تتمّ بأمور أربعة :
الأوّل : أن يكون لنفسه أو لبدنه صفة تمنعه عن الفجور بحيث لا ينتهي إلى حدّ الإلجاء .
الثانى : أن يحصل له العلم بحسن الطاعات و قبح المعاصى .
الثالث : أن تتأكّد تلك العلوم بتتابع الوحى و البيان من الله تعالى .
الرابع : أنّه متى صدر عنه أمر من ترك الأولى و النسيان لم يترك مهملا بل يعاتب و ينبّه عليه و يضيّق الأمر عليه . « 3 »
و فيه بحث . لأنّ اكثر الامّة يقولون بعصمة الملائكة و الأئمة و بعصمة الحوّاء و مريم و فاطمة [ سلام الله عليهم ] و لم يقولوا بالوحى إليهم .
و الحقّ : أنّه يكفى فى العصمة العفّة و العلم بحسن الطاعات و قبح المعاصى .
ثم اتّفقت الامّة على كون الأنبياء معصومين عن الكفر إلّا الفضيليّة من الخوارج .
فإنّهم اعتقدوا أنّ المعصية كفر و جوّزوا المعصية عليهم .
و من الناس من لم يجوّز الكفر لكن جوّز إظهاره على سبيل التقية صونا للنفس عن
هامش
( 1 ) . كهف / 110 .
( 2 ) . اسراء / 39 .
( 3 ) . « فإذا اجتمعت هذه الأمور الاربعة كان الشخص معصوما عن المعاصى لا محالة ، لأنّ ملكة العفة إذا حصلت فى جوهر النفس ، ثم انضمّ إليها العلم التامّ بما فى الطاعة من السعادة و فى المعصية من الشقاوة ، صار ذلك العلم معينا له على مقتضى الملكة النفسانية ، ثم الوحى يصير متمّما لذلك ، ثم خوف المؤاخذة على القدر القليل يكون مؤكّدا لذلك الاحتراز ، فيحصل من اجتماع هذه الامور تأكيد حقيقة العصمة » . تلخيص المحصّل ، ص 369 .