يلزم قيام الكلام النفسى بذات الله تعالى . أمّا إذا كان المراد بالكلام الكلام النفسى فظاهر ، و أمّا إذا كان المراد اللفظ فاللفظ لا يكون بدون المعنى ضرورة . و لأنّ عدم الكلام النفسى نقص فيلزم اتّصافه به . و ليس شيء من الكلام النفسى بحادث و إلّا فإن كان قائما بذاته تعالى يلزم قيام الحوادث بذاته و هو محال ؛ و إن كان قائما بغيره يلزم قيام صفة الشيء بغيره ، و هذا محال أيضا . و إن كان قائما بنفسه يلزم قيام العرض بذاته ، و ذلك أيضا محال .
و احتجّت المعتزلة و الحنابلة على أنّ كلام الله تعالى هو هذه الحروف و الأصوات الدالّة بوجوه :
الأوّل : الكلام فى اللغة و العرف هو هذه ، و لأجل هذا لا يوصف الأخرس بكونه متكلّما .
الثانى : قوله تعالى
« إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا »
« 1 » ، وصف القرآن بكونه عربيّا و العربىّ إنّما يكون هو اللفظ .
الثالث : قوله تعالى
« وَ إِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ »
« 2 » ، و المسموع هو الألفاظ و الحروف دون المعنى .
ثم قالت المعتزلة : « هذه الألفاظ و الحروف حادثة . لأنّه إمّا أن يقال إنّه تعالى تكلّم بهذه الحروف فى الأزل دفعة أو على التعاقب . فإن كان الأوّل لم تحصل منها هذه الكلمات التى نسمعها . لأنّ التى نسمعها حروف متعاقبة فحينئذ لا يكون هذا القرآن المسموع أزليا . و إن كان الثانى كان وجود كلّ منها مسبوقا و مشروطا بانقضاء السابق فتكون « 3 » حادثة ضرورة . و إذا كانت حادثة لا يجوز قيامها بذات الله و لا بنفسها ؛ فتعيّن قيامها به غير الله تعالى .
و قالت الحنابلة لمّا ثبت أنّ كلام الله تعالى هو هذه الألفاظ و الحروف و لا يجوز
هامش
( 1 ) . يوسف / 2 .
( 2 ) . توبه / 6 .
( 3 ) . اصل : فيكون .