شيخنا صاحب الترجمة حقيق لما ذكره لنفسه من الأوصاف الحسنة ، و لقد و اللَّه العظيم لم أر في الحفّاظ المتأخّرين مثله ، و يعلم ذلك كلّ من اطّلع على مؤلّفاته او شاهده و هو عارف بفنّه منصف في تراجمه ، و رحم اللَّه جدّى حيث قال في ترجمته :
إنّه انفرد بفنّه و طار اسمه في الآفاق به و كثرت مصنّفاته فيه و في غيره ، و كثير منها طار شرقا و غربا شاما و يمنا ، و لا أعلم الآن من يعرف علوم الحديث مثله و لا أكثر تصنيفا و لا أحسن ، و لذلك أخذها عنه علماء الآفاق من المشايخ و الطلبة و الرّفاق ، و له اليد الطولى الى المعرفة بالعلل و أسماء الرّجال و أحوال الرّواة و الجرح و التّعديل ، و إليه يشار في ذلك ، و لهذا قال بعض العلماء : لم يأت بعد الحافظ الذّهبى مثله يسلك هذه المسالك . أقول : و لقد مات فنّ الحديث من بعده و أسف النّاس على فقده و لم يخلّف بعده مثله .
وفاة الحافظ شمس الدين السخاوى
و كانت وفاته في مجاورته الأخيرة بالمدينة الشّريفة في عصر يوم الأحد سادس عشري شعبان سنة اثنين و تسعمائة ، و عمره إحدى و سبعون سنة ، و صلّى عليه بعد صلاة الصّبح يوم الإثنين ثاني تاريخه بالرّوضة الشّريفة ، و وقف بنعشه تجاه الحجرة المنيفة و القبر الشّريف ، و دفن في البقيع خلف قبر إمام دار الهجرة مالك بن أنس بالقرب من سيّدنا إبراهيم بن المصطفى صلى اللَّه عليه و سلّم ، و كانت جنازته حافلة و رؤيت له منامات ، منها : ما حدّثني به تلميذه الإمام البليغ الشّهاب أحمد بن الحسين العليف المدنىّ ، قال : أخبرنى السّيّد الشّريف النّاسك الصّادق جمال الدّين عبد اللَّه بن عاذل الحسينى المدنىّ ، قال : رأيت الشّيخ شمس الدّين السّخاوى بعد موته فى المنام على هيئة حسنة فقلت له : ما فعل اللَّه بك ؟ قال حاسبنى : و غفر لى و حشرني مع العلماء . رحمه اللَّه تعالى و نفع به و أعاد علينا من بركته ، و رثاه جماعة بعده بمراثي ] انتهى .
فهذا شمس الدين السخاوى ، حافظهم الحبر البحر ذو الأتى الأتاوي ، الذّاخر المحرز الموعب الحاوي ، لمآثر لا يحجبه السّاتر المميط الطاوي ، قد روى هذا الحديث الموري قبس الإرشاد للمائل إلي الحقّ و الصّاوى ، القادح زناد السّداد