و قلتم شاعر ، لا و اللَّه ما هو بشاعر ، لقد روينا الشعر ، و سمعنا اصنافه كلها هزجه و رجزه ، و قلتم مجنون ، لا و اللَّه ما هو بمجنون ، لقد رأينا الجنون فما هو بخنقة و لا وسوسة و لا تخليطة ، يا معشر قريش انظروا في شأنكم ، فانه و اللَّه لقد نزل بكم أمر عظيم .
و كان النضر قد قدم الحيرة ، و تعلّم بها أحاديث ملوك الفرس ، و كان إذا جلس رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم مجلسا ، فذكر فيه باللّه ، و حذر قومه ما أصاب من قبلهم من الامم من نقمة اللَّه عز و جل ، خلفه في مجلسه إذا قام ، ثم قال : أنا و اللَّه يا معشر قريش أحسن حديثا منه ، فهلم اليّ فأنا احدثكم أحسن من حديثه ، ثم يحدثهم عن ملوك فارس ، ثم يقول : بما ذا محمد احسن حديثا مني ؟ و ما حديثه الا أساطير الاولين اكتتبها كما اكتتبها .
قال ابن هشام : و هو الذي قال فيما بلغني
سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ
[ 1 ] .
قال ابن اسحاق : و كان ابن عباس يقول فيما بلغني أنه انزل فيه ثماني آيات من القرآن : قوله تعالى :
إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ *
[ 2 ] و كل ما ذكر فيه الاساطير من القرآن ، فلما قال لهم ذلك النضر بن الحارث ، بعثوه و بعثوا معه عقبة بن أبي معيط الى أحبار يهود بالمدينة و قالوا لهما : اسألاهم عن محمد ، وصفا لهم صفته ، و أخبراهم بقوله ، فانهم أهل الكتاب الاول ، و عندهم علم ما ليس عندنا من علم الانبياء ، فخرجا حتى قدما المدينة ، فسألا أحبار يهود من رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم ، و وصفا لهم أمره ، و أخبراهم ببعض قوله ، و قالا : انكم أهل التورية ، و قد أتيناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا .
فقال لهم أحبار يهود : سلوه عن ثلث نأمركم بهن ، فان أخبركم بهن فهو
هامش
[ 1 ] الانعام 93 .
[ 2 ] القلم 15 - المطففين 13 .