الراشدين من آبائه ، و اخذه بسير الخلفاء الاربعة اركان الملة ، و مناظرته للعلماء ، و حفظه لحدود اللَّه تعالى في صلواته و احكامه ، فكيف تصح عنه احوال الفساق المستهترين [ 1 ] في التطواف بالليل ، و طروق المنازل ، و غشيان السهر ، سبيل عشاق الاعراب ؟ و اين ذلك من منصب ابنة الحسن بن سهل و شرفها ، و ما كان بدار ابيها من الصون و العفاف ؟
و امثال هذه الحكايات كثيرة ، و في كتب المورخين معروفة ، و انما يبعث على وضعها و الحديث بها الانهماك في اللذات المحرمة ، و هتك قناع المخدرات ، و يتعللون بالتأسي بالقوم فيما يأتونه من طاعة لذاتهم ، فلذلك تراهم كثيرا ما يلهجون بأشباه هذه الاخبار ، و ينقرون عنها عند تصفحهم لاوراق الدواوين ، و لو ائتسوا بهم في غير هذا من احوالهم ، و صفات الكمال اللائقة بهم ، المشهورة عنهم ، لكان خيرا لهم لو كانوا يعلمون .
و لقد عذلت يوما بعض الامراء من ابناء الملوك في كلفه بتعلم الغناء و ولوعه بالاوتار ، و قلت له : ليس هذا من شأنك ، و لا يليق بمنصبك ، فقال : أ فلا ترى الى ابراهيم بن المهدي كيف امام هذه الصناعة و رئيس المغنين في زمانه ؟ فقلت :
يا سبحان اللَّه و هلا تأسيت بابيه أو اخيه ؟ أو ما رأيت كيف قعد ذلك بابراهيم عن مناصبهم ؟ فصم عن عذلي و اعراض
وَ اللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ *
. [ 2 ] « از اين عبارت واضح است كه : حسب افاده علامه ابن خلدون ، حال مأمون معروف بود در دين او ، و علم او ، و اتباع او سنن خلفاء راشدين را از آباء خود ، و اخذ او بسير خلفاء اربعه ، كه اركان ملتاند ، و مناظرهء
هامش
[ 1 ] المستهتر بفتح التائين : الولع بالشىء لا يبالى بما فعل فيه ، و الذى كثرت ابا طيله .
[ 2 ] تاريخ ابن خلدون - المقدمة ص 21 ط القاهرة