و وازع كل أحد فيها من نفسه و هو الدين ، و كانوا يؤثرونه على امور دنياهم ، و ان أفضت الى هلاكهم وحدهم دون الكافة .
فهذا عثمان لما حصر فى الدار جاءه الحسن و الحسين و عبد اللَّه بن عمر و ابن جعفر و أمثالهم يريدون المدافعة عنه ، فأبى و منع من سل السيوف بين المسلمين مخافة الفرقة و حفظا للالفة التي بها حفظ الكلمة و لو أدى الى هلاكه .
و هذا علي أشار إليه المغيرة لاول ولايته باستبقاء الزبير و معاوية و طلحة على اعمالهم حتى يجتمع الناس على بيعته ، و تتفق الكلمة ، و له بعد ذلك ما شاء من أمره ، و كان ذلك من سياسة الملك ، فأبى فرارا من الغش الذي ينافيه الاسلام
و غدا عليه المغيرة من الغداة فقال : لقد أشرف عليك بالامس بما أشرت ، ثم عدت الى نظري فعلمت أنّه ليس من الحق و النصيحة ، و أن الحق فيما رأيته أنت ، فقال علي : لا و اللَّه بل أعلم انك نصحتني بالامس و غششتني اليوم ، و لكن منعني مما أشرت به ذائد الحق ، و هكذا كانت أحوالهم فى اصلاح دينهم بفساد دنياهم و نحن .
نرقّع دنيانا بتمزيق ديننا * فلا ديننا يبقى و لا ما نرقّع
فقد رأيت كيف صار الامر الى الملك و بقيت معاني الخلافة من تحرى الدين و مذاهبه و الجرى على منهاج الحق ، و لم يظهر الغير الا فى الوازع الذي كان دينا ، ثم انقلب عصبية و سيفا .
و هكذا كان الامر بعهد معاوية ، و مروان ، و ابنه عبد الملك ، و الصدر الاول من خلفاء بني العباس الى الرشيد و بعض ولده ، ثم ذهبت معاني الخلافة و لم يبق الا اسمها ، و صار الامر ملكا بحتا ، و جرت طبيعة التغلب الى غايتها ، و استعملت فى اغراضها من القهر و التقلب فى الشهوات و الملاذ ، و هكذا كان الامر لولد عبد الملك ، و لمن جاء بعد الرشيد من بني العباس ، و اسم الخليفة