من بيت المال ، و دخل عليه يوما ، و هو بمجلسه يباشر الخياطين في إرقاع الخلقان من ثياب عياله ، فاستنكف المهدى من ذلك ، و قال يا أمير المؤمنين : على كسوة العيال عامنا هذا من عطائي ، فقال له : لك ذلك و لم يصده عنه ، و لاسمح بالانفاق فيه من أموال المسلمين .
فكيف يليق بالرشيد على قرب العهد من هذا الخليفة و ابوته و ما ربي عليه من امثال هذه السير في أهل بيته و الخلق بها ان يعاقر الخمر و يجاهر بها ، و قد كانت حالة الاشراف من العرب الجاهلية في اجتناب الخمر معلومة ، و لم يكن الكرم شجرتهم ، و كان شربها مذمة عند الكثير منهم ، و الرشيد و آباؤه كانوا على ثبج [ 1 ] من اجتناب المذمومات في دينهم و دنياهم ، و التخلق بالمحامد و اوصاف الكمال و نزعات العرب .
و انظر ما نقله الطبري و المسعودي في قصة جبريل بختيشوع الطبيب حين احضر له السمك في مائدته فحماه عنه .
ثم امر صاحب المائدة بحمله الى منزله ، و فطن الرشيد و ارتاب به ، و دس خادمه حتى عاينه يتناوله ، فاخذ ابن بختيشوع للاعتذار ثلث قطع من السمك في ثلثة اقداح ، خلط إحداها باللحم المعالج باتوابل و البقول و البوارد و الحلوى ، و صب على الثانية ماء مثلجا .
و على الثالث خمرا صرفا ، و قال في الاول و الثاني :
هذا طعام أمير المؤمنين ان خلط السمك بغيره أو لم يخلطه ، و قال في الثالث و هذا طعام ابن بختيشوع و دفعها الى صاحب المائدة ، حتى إذا انتبه الرشيد ، و احضره للتوبيخ ، أحضر الثلثة الاقداح ، فوجد صاحب الخمر قد اختلط و ماع [ 2 ] و تفتت
هامش
[ 1 ] الثبج بفتح الثاء و الباء : معظم الشيء و وسطه
[ 2 ] ماع : سال و جرى على وجه الارض