الجباية ، حتى كان الرشيد يطلب اليسير من المال فلا يصل إليه ، فغلبوه على امره ، و شاركوه في سلطانه ، و لم يكن له معهم تصرف في امور ملكه ، فعظمت آثارهم ، و بعد صيتهم ، و عمروا مراتب الدولة و خططها بالرؤساء من ولدهم و صنائعهم ، و احتازوها عمن سواهم من وزارة و كتابة و قيادة و حجابة و سيف و قلم .
يقال : انه كان بدار الرشيد من ولد يحيى بن خالد خمسة و عشرون رئيسا من بين صاحب سيف و صاحب قلم ، زاحموا فيها أهل الدولة بالمناكب ، و دفعوهم عنها بالراح لمكان ابيهم يحيى من كفالة هارون ولي عهد و خليفة حتى شب في حجره ، و درج من عشه ، و غلب على أمره ، و كان يدعوه يا ابت فتوجه الايثار من السلطان إليهم ، و عظمت الدولة منهم ، و انبسط الجاه عندهم ، و انصرفت نحوهم الوجوه .
و خضعت لهم الرقاب ، و قصرت عليهم الآمال ، و تخطت إليهم من اقصى التخوم هدايا الملوك ، و تحف الامراء ، و سيرت الى خزائنهم في سبيل التزلف [ 1 ] و الاستمالة اموال الجباية ، و افاضوا في رجال الشيعة و عظماء القرابة العطاء ، و طوقهم المنن ، و كسبوا من بيوتات الاشراف المعدم و فكوا العاني ، و مدحوا بما لم يمدح به خليفتهم ، و اسنوا [ 2 ] لعفاتهم [ 3 ] الجوائز و الصلات ، و استولوا على القرى و الضياع من الضواحى و الامصار في سائر الممالك ، حتى آسفوا البطانة ، و احقدوا الخاصة ، و اغضبوا أهل الولاية :
فكشفت لهم وجوه المناقشة و الحسد ، و دبت الى مهادهم الوثير من الدولة عقارب السعاية ، حتى لقد كان بنو قحطبة اخوال جعفر من اعاظم الساعين عليهم لم
هامش
[ 1 ] التزلف : التقدم و التقرب
[ 2 ] اسنى الجائزة : جعلها سنية و رفيعة
[ 3 ] العفاة بضم العين : جمع العافى و هو كل طالب فضل أو رزق