تعطفهم لما وقر في نفوسهم من الحسد عواطف الرحم ، و لا وزعتهم أواصر القرابة ، و قارن ذلك عند مخدومهم نواشئ الغيرة و الاستنكاف من الحجر و الانفة ، و كامن الحقود التي بعثتها منهم صغائر الدالة ، و انتهى بها الاصرار على شأنهم الى كبائر المخالفة ، كقصتهم في يحيى بن عبد اللَّه ابن الحسن بن حسن بن علي ابن أبي طالب أخي محمد المهدي الملقب بالنفس الزكية الخارج على المنصور ، و يحيى هذا هو الذي استنزله الفضل بن يحيى من بلاد الديلم على امان الرشيد بخطه ، و بذل لهم فيه الف الف درهم على ما ذكره الطبري ، و دفعه الرشيد الى جعفر ، و جعل اعتقاله بداره و الى نظره فحبسه مدة .
ثم حملته الدالة على تخلية سبيله و الاستبداد بحل عقاله حرما لدماء أهل البيت بزعمه ، و دالة على السلطان في حكمه ، و سأله الرشيد عنه لما وشى به إليه ، ففطن و قال اطلقته ، فابدى له وجه الاستحسان ، و اسرها في نفسه ، فاوجد السبيل بذلك على نفسه و قومه ، حتى ثل عرشهم و اكفئت عليهم سماؤهم ، و خسفت الارض بهم و بدارهم ، و ذهبت سلفا و مثلا للاخرين أيامهم ، و من تأمل أخبارهم و استقصى سير الدولة و سيرهم ، وجد ذلك محقق الاثر ممهد الاسباب .
و انظر ما نقله ابن عبد ربه ، فى مفاوضة الرشيد عم جده داود بن علي في شأن نكبتهم ، و ما ذكره في باب الشعراء من كتاب « العقد » في محاورة الاصمعى للرشيد و للفضل بن يحيى في سمرهم ، تتفهم انه انما قتلهم الغيرة و المناقشة في الاستبداد من الخليفة فمن دونه ، و كذلك ما تحيل به اعدائهم من البطانة فيما دسوه للمغنين من الشعر احتياله على اسماعه للخليفة و تحريك حفائظه لهم و هو قوله :
ليت هندا انجزتنا ما تعد * و شفت انفسنا مما نجد
و استبدت مرة واحدة * انما العاجز من لا يستبد
و ان الرشيد لما سمعها قال : أي و اللَّه اني عاجز حتى بعثوا بامثال هذه كامن