واللّه تعالى يهدي من يشاء فضلا منه ، ويضلّ من يشاء عدلا منه وإضلاله خذلانه ، وتفسير الخذلان أن لا يوفّق العبد إلى ما يرضاه منه وهو عدل منه ، وكذا عقوبة المخذول على المعصية . ولا يجوز أن نقول : إن الشيطان يسلب الإيمان من العبد المؤمن قهرا وجبرا ، ولكن نقول العبد يدع الإيمان فحينئذ يسلبه منه الشيطان . . .
شرح
شبهة ، لأنه مخالف للكتاب والسّنّة وإجماع الأمة ( واللّه تعالى يهدي من يشاء ) أي إلى الإيمان والطاعة ( فضلا منه ) أي يجعله مظهر جماله ومحل ثوابه ( ويضلّ من يشاء ) أي بالكفر والمعصية ( عدلا منه ) أي يجعله مظهر جلاله وموضع عقابه ، ثم هدايته توفيقه وإحسانه ، وهذه جملة مطويّة معلومة القضية ، ولذا لم يتعرّض له الإمام واكتفى بذكر ما فيه من اختلاف بعض الأنام حيث قال ( وإضلاله خذلانه ) أي عدم نصرته في مقام تحقيقه ومرام تصديقه ( وتفسير الخذلان أن لا يوفّق العبد ) أي لا يحمله ( إلى ما يرضاه عنه ) أي على ما يحبه من الإيمان والإحسان ، ويكون سببا لرضى الربّ عن العبد ( وهو ) أي الخذلان وعدم رضاه عنه ( عدل منه ) إذ لا يجب عليه شيء لغيره ، وقد وضع الشيء في موضعه كما قال اللّه تعالى :فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ« 1 » . أي يوسع قلبه وينوّره للتوحيد وعلامته الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور ، والاستعداد للموت قبل نزوله :وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ« 2 » .
( وكذا عقوبة المخذول على المعصية ) أي عدل منه في نظر أرباب العقول وأصحاب النقول ، وفي المسألة خلاف المعتزلة ( ولا نقول ) وفي نسخة ولا يجوز أن نقول : ( إن الشيطان يسلب الإيمان من العبد المؤمن قهرا وجبرا ) أي لقوله تعالى :إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ« 3 » . أي حجة وتسلط على إغواء أحد من المخلصين ( ولكن نقول العبد يدع الإيمان ) أي بتركه باختياره واقتداره سواء يكون بسبب إغواء الشيطان ، أو هوى نفسه فإذا تركه ( فحينئذ يسلبه منه الشيطان ) أي يجعله تابعا له في الخذلان ، فيكون له عليه السلطان ، وهذا معنى قوله :إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ« 4 » . وقوله تعالى :لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ« 5 » .
هامش
( 1 ) الأنعام : 125 .
( 2 ) الأنعام : 125 .
( 3 ) الحجر : 42 .
( 4 ) الحجر : 42 .
( 5 ) الأعراف : 18 .