وليس يقدر أحد أن يعبد اللّه تعالى حقّ عبادته كما هو أهل له ، . . . .
شرح
مواضع من آياته بجميع صفاته أي الثبوتية والسلبية كسورة الإخلاص وكقوله تعالى :لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ« 1 » . وسائر الآيات الدالّة على تحقّق الذات ومراتب الصفات ، ولعل هذا الكلام من الإمام الهمام مبني على أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص في حقيقة الإيقان ، وإن الإيمان الإجمالي كاف في مرام الإحسان فللمؤمن أن يقول عرفته ، وأما قول من قال : ما عرفناك حق معرفتك فمبني على أن إدراك الذات ، والإحاطة بكنه الصفات ليس في قدرة المخلوقات لقوله تعالى :لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ« 2 » ، ولقوله تعالى :وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً« 3 » فاختلاف القضية بتفاوت الحيثية .
ومن هنا قال الإمام الشافعي رحمه اللّه تعالى : من انتهض لطلب مدبّره فانتهى إلى موجود ينتهي إلى فكره فهو مشبّه ، وإن اطمأن إلى العدم الصرف فهو معطّل ، وإن اطمأن إلى موجود فاعترف بالعجز عن إدراكه فهو موحّد ، ومن ثم لمّا سئل عليّ رضي اللّه تعالى عنه عن التوحيد ما معناه ؟ فقال : أن تعلم أن ما خطر ببالك ، أو توهمته في خيالك أو تصوّرته في حال من أحوالك فاللّه تعالى وراء ذلك .
ويرجع إلى هذا المعنى قول الجنيد رحمه اللّه تعالى : التوحيد إفراد القدم من الحدوث إذ لا يخطر ببالك إلا حادث ، فإفراد القدم أن لا تحكم على اللّه بمشابهة شيء من الموجودات في الذات ولا في الصفات بوجه من الوجوه فإنه لا تشبه ذاته ذات ، ولا صفاته صفات قال اللّه تعالى :لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُبل جاء من إطلاق العالم والقادر والموجود وغير ذلك على القديم والحادث فهو اشتراك لفظي فقط ، ( وليس يقدر أحد أن يعبد اللّه تعالى حقّ عبادته كما هو أهل له ) أي في استحقاق طاعته من حيث إن العبد عاجز عن مداومة ذكره ومواظبة شكره كما يشير إليه قوله تعالى :وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها« 4 » . أي لا تطيقوا عدّها فضلا عن القيام بشكرها وصرفها إلى طاعة ربّها ، ولهذا المعنى قيل : قوله تعالى :يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ« 5 » .
هامش
- وله من التصانيف الفتاوى البدرية وضوء المصباح في شرح نور الوضاح وغيرها .
( 1 ) الشورى : 11 .
( 2 ) الأنعام : 103 .
( 3 ) طه : 110 .
( 4 ) إبراهيم : 34 .
( 5 ) آل عمران : 102 .