تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح كتاب الفقه الأكبر — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
شرح
اعلم أنه يجب على العبد أن يكون خائفا راجيا لقوله تعالى :أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ« 1 » ، وقوله تعالى :يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً« 2 » . والتحقيق أن الرجاء يستلزم الخوف ، ولولا ذلك لكان أمنا والخوف يستلزم الرجاء ، ولولا ذلك لكان قنوطا ويأسا ، فالخوف المحمود الصادق ما حال بين صاحبه وبين محارم اللّه سبحانه ، فإذا تجاوز ذلك خيف منه اليأس والقنوط والرجاء المحمود رجاء عمل بطاعة اللّه تعالى على نور من ربّه ، فهو راج لمثوبته ، أو رجل أذنب ذنبا ، ثم تاب منه إلى اللّه فهو راج لمغفرته . أما إذا كان الرجل متماديا في التفريط والخطايا ويرجو رحمة اللّه تعالى بلا عمل ، فهذا هو الغرور والتمنّي والرجاء الكاذب . قال أبو علي الروذباري « 3 » رحمه اللّه الخوف والرجاء كجناحي الطائر إذا استويا استوى الطير ، وتمّ طيرانه ، وإذا نقص أحدهما وقع فيه النقص ، وإذا ذهبا صار الطائر في حدّ الموت « 4 » ، وهذا الذي ذكره الشيخ موافق لما روي عن عمر رضي اللّه عنه أنه قال : لو نودي في المحشر أن واحدا يدخل الجنة لأرجو أن أكون أنا ، وإن قيل : إن واحدا يدخل النار أخاف أن أكون أنا ، وقال بعضهم : ينبغي أن يكون الرجاء غالبا للحديث القدسي ، « أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء » « 5 » . وقال بعضهم : الأولى أن يكون الخوف غالبا عند الشباب والصحة والرجاء حال الكبر والمرض لقوله عليه الصلاة والسلام قبل موته بثلاث : « لا يموتنّ أحدكم إلا وهو يحسن الظنّ بربه » « 6 » ، وهذا وكل أحد إذا خفته هربت منه إلا اللّه تعالى فإنك إذا خفته
هامش
( 1 ) الزّمر : 9 . ( 2 ) السجدة : 16 . ( 3 ) ترجمة الخطيب في تاريخه 1 / 329 - 333 ، فقال : محمد بن أحمد بن القاسم ، أبو علي الروذباري من كبار الصوفية ، سكن مصر ، وكان من أهل الفضل والفهم ، وله تصانيف حسان في التصوّف ، نقلت عنه ، وأنشد له من نظمه أبيات ، وقال : توفي سنة 322 ه . ( 4 ) وكلام أبو علي الروذباري هنا مأخوذ من شرح الطحاوية 2 / 456 - 457 . ( 5 ) أخرجه بهذا اللفظ أحمد 3 / 491 و 4 / 106 وصحّحه ابن حبان 2468 من حديث واثلة بن الأسقع . ( 6 ) أخرجه مسلم 2877 ، وأبو داود 3113 ، وابن ماجة 4167 ، وأحمد 3 / 293 و 325 و 330 و 390 ، والطيالسي 1779 ، والخطيب 14 / 347 - 348 ، وأبو نعيم في الحلية 5 / 87 و 8 / 121 -
شرح كتاب الفقه الأكبر — صفحة 155 | ملا علي القاري