ولكنه يعبده بأمره كما أمر بكتابه وسنّة رسوله . . .
شرح
منسوخ بقوله تعالى :فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ« 1 » . لأن حق التقوى يعجز عنه الأصفياء ، كما فسّره سيد الأنبياء صلوات اللّه تعالى عليه وعليهم وسلامه بقوله : « هو أن يطاع فلا يعصى ، ويشكر فلا يكفر ، ويذكر فلا ينسى » « 2 » . والتحقيق أن المعرقة إذا تحقّقت استمر حكمها في جميع أحوال العبادة بخلاف العبادة ، فإنها تجب على العبد في كل لحظة ولمحة ، وهو عاجز عن استمرار هذه الحالة لضعف البشرية عن القيام بالعبودية ، كما تقتضيه الربوبية فلا أقل من أنه يقع منه الغفلة والغيبة عن الحضرة ، وهو كفر عند أرباب الحقيقة ، وأصحاب الطريقة « 3 » ، وإن رفع عن العامّة على لسان صاحب الشريعة رحمة على الأمة من حيث إنه كاشف الغمّة .
وقد أشار سبحانه وتعالى إلى هذه التبصرة بقوله تعالى :هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ« 4 » . فليس لأحد أن يقول : عبدت اللّه حق عبادته ( ولكنه ) أي الشأن ( يعبده ) أي عبده ( بأمره كما أمر بكتابه وسنّة رسوله ) أي وفق حكمه بوصف العجز عن أداء حقه ، ولهذا قال بعض العارفين : لولا أمره سبحانه بقراءةإِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ« 5 » . لما قرأته لعدم قيامي في مقام حقيقة الإخلاص في العبودية وتخصيص الاستعانة في العبادة وغيرها من الحضرة الربوبية « 6 » ، ولعله عليه الصلاة والسلام في نحو هذا المقام قال : « لا
هامش
( 1 ) المدّثر : 56 .
( 2 ) أخرجه ابن مردويه كما في تفسير ابن كثير 1 / 396 عن ابن مسعود مرفوعا والراجح وقفه . كذا أخرجه الحاكم 2 / 294 ، والطبراني 8501 ، والطبري 7539 وصحّحه الحاكم على شرطهما وكرّره الطبري 7534 عن الثوري عن زبيد عن مرة عن ابن مسعود موقوفا وتابع الثوري شعبه 7535 و 7536 وتابعهما الليث 7537 وتابعهما جرير على زبيد 7538 وتابعهم 7540 والمسعودي وتابعهم 7541 منصور على زبيد فهؤلاء أئمة أثبات رووه كلهم موقوفا وهو الصواب ، وعلقه البغوي في تفسيره 1 / 259 فقال : وقال ابن مسعود وابن عباس فذكره .
( 3 ) لا يوجد في الشريعة الإسلامية ومصادرها الأساسية - الكتاب والسّنّة - شيء يسمى أرباب الحقيقة ، وأصحاب الطريقة ولا توجد هذه التقسيمات البدعية إلا عند المتصوفة وهذه التسميات لا تجوز شرعا .
( 4 ) التغابن : 16 .
( 5 ) الفاتحة : 5 .
( 6 ) هذا الكلام مردود على قائله ، وهو إن لم يكن استهانة بفاتحة الكتاب فهو إعراض عمّا أمر اللّه به ورسوله ومخالفة جريئة لأمر اللّه عز وجل . قال الحافظ ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية 1 / 23 :
« والعبادة في اللغة من الذلّة يقال طريق معبد وبعير معبد أي مذلّل . وفي الشرع عبارة عما يجمع -