صورة ونتيجة : أمّا صورته بإخراج الهواء من جوف النافخ إلى جوف المنفوخ فيه حتّى يشتعل الحطب القابل للصورة النارية فالنفخ سبب الاشتعال ، وصورة النفخ الذي هو السبب يمتنع في حقّ اللّه تعالى لكن المسبب الذي هو النتيجة بالنظر إلى الروح الحيواني الذي هو أثر الروح القدسي ممكن ، وإن كان بالنسبة إلى الروح القدسي مستحيل أيضا ، وكثيرا ما يكنّى بالسبب عن الفعل الذي يحصل به المسبّب على سبيل التجوّز وإن لم يكن الفعل المستعار على صورة الفعل المستعار منه كقوله سبحانه : غضب اللّه عليهم وانتقمنا منهم لأنّ الغضب عبارة عن نوع تغيّر وانتقال من حال إلى حال ونتيجته إهلاك المغضوب عليهم فعبّر عن نتيجة الغضب بالغضب وعن نتيجة الانتقام بالانتقام كما بيّنّا في بابه ، فكذلك عبّر عن نتيجة « النفخ » بالنفخ وبالجملة ، فسبب الاشتعال أي اشتعال الروح في فتيلة النطفة من جانب الفاعل هو الجود الإلهي الذي هو ينبوع الوجود والفياض بذاته على كل ما له قبول الشهود ، ويعبّر عن تلك الصفة بالقدرة وباليد في قوله :
لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ
وفي طرف القابل الصفاء والاعتدال الحاصل بالتسوية ، فإذا حصل الاستواء في النطفة حدث الروح من خالق الأرواح من غير تغيّر حال في الفاعل ، فالجود الإلهي سبب لحدوث نور الروح في الأجسام المستعدة ، ويعبّر عنه ب « الفيض » وبذلك يتصحّح النسبة في قوله :
مِنْ رُوحِي
كما انّ الشمس لو نطقت وقالت : « أفضت على الأرض من نوري » يكون صدقا ، ويكون معنى النسبة انّه النور الحاصل من نور الشمس بوجه من الوجوه الصحيحة ؛ وأيضا الروح منزّه عن الجهة وفي قوته العلم بجميع الأشياء الموجودة ، فذلك مضاهاة ليست للجسمانيات فتصحّ النسبة . أقول : وقد سبق منّا عند تحقيق النفس في قوله : « انّي أجد نفس الرحمن من قبل اليمن » كلام تحقيقي وسنتلو عليك في ضمن شرح الأخبار ما يظهر به السرّ الخفي إن شاء اللّه العلي .
ثمّ انّ المصنّف - رضي اللّه عنه - ذكر في هذا الباب ستّة أخبار :