الباب السّابع والعشرون باب معنى قوله عزّ وجلّ : وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي
[ تفسير قوله تعالى :
وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي
]
شرح : الآية الكريمة هكذا :
فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي
فلنذكر في بيانها ما ذكره بعض العلماء مع أدنى تلخيص : اعلم انّ التسوية فعل في المحل القابل للروح وهو الطين أو النطفة بالتصفية والتعديل للمزاج ، فكما لا يقبل النار ما هو يابس محض كالتراب ، ولا ما هو رطب محض كالماء ، بل لا بدّ من تركيب الطين بالماء مع تردّد في أطوار الخلقة حتّى يصير نباتا ليتشبث به النار فيشتعل ، كذلك الطين بعد أن ينشئه اللّه خلقا بعد خلق إلى أن يستعد لنفخ الروح ، مثال ذلك في النطفة أن نقول : لمّا أنشأ اللّه الطين في أطوار الخلقة إلى أن يصير نباتا جعله غذاء للآدمي ، فيصير دما فتنتزع القوة المميّزة من الدم صفوه الذي هو أقرب إلى الاعتدال ، فتصير نطفة ، فيقبلها الرحم ويمتزج بها مني المرأة بعد ما انتشرت في أعماق بدنها ، أربعين يوما كما في الخبر ، فيزداد به اعتدالا ، ثمّ ينضجها الرحم بحرارته فيزداد تناسبها حتّى ينتهي في الصفاء واستوى به الأجزاء إلى الغاية القصوى ، فيستعدّ لقبول الروح وإمساكها كالفتيلة التي تستعد عند شرب الدهن لقبول النارية ، فالنطفة عند الصفاء والاستواء تستحق باستعدادها روحا يدبّرها ويتصرّف فيها ، فيفيض عليها الروح من وجود الإله الحق ، وفضل الغني المطلق الواهب لكل مستحقّ ما يستحقه ، والمعطي لكل مستعد ما يستعدّ له على قدر قبوله واحتماله ، فهذه هي التسوية ، وقس على ذلك طينة آدم وتطوّرها في الأطوار بانضمام لطف اللّه تعالى وإنضاج الأشعّة النجوميّة إيّاها ، إلى أن بلغت مبلغ القرار من التسوية ؛ وأمّا « النفخ » فهو عبارة عن اشتعال نور الروح في فتيلة النطفة ، وللنفخ