فالعلم متقدّم على المشية ، وهي على الإرادة ، وهي على التقدير ، وهو على القضاء ، وهو على الكتاب ، وهو على الإمضاء كما يعلم بأدنى تأمّل فيها ، وكذا في الصفات الأخر الإلهية ، بل في أوصافنا وأخلاقنا المحمودة منها والمذمومة ، فتبصّر .
ثمّ من البيّن انّ العلم له نسبة إلى العالم ، ثمّ إلى المعلوم ، وقد بيّنا لك بالبراهين الحقيقية وسنحقّق أيضا ببيانات وافية انّ الجهة التي للعلم إلى الموصوف به سلب محض لا نصيب لها من التحقّق والشيئية أصلا بل هو راجع إلى سلب نقيضه وهو الجهل . لكن الجهة التي إلى المعلوم وجوده بنفس وجود المعلوم لا بوجود علّته « 1 » وإلّا لزم مفاسد لا تحصى : من كون صفة شيء قائما بغير الموصوف بل معلومية الشيء لعلّته عين موجوديته منه . وهذا معنى قول أهل المعرفة انّ الظاهر عين المظهر من وجه ، فظهر من ذلك انّ وجود الشيء عن علّته وصدوره عنها نفس معلوميّته وعين علم العلة به ، وهذا معنى ما ورد عنهم - عليهم السّلام - من انّه لمّا وجدت العين وقع العلم على المعلوم ؛ فكل ما يتوهّم من الزيادة ، فلا ينفك عن علم العلّة إذ لا تفصيل للمعلوم عن العلم ولا سبق هاهنا إلّا عند الوهم فلا يلزم من الزيادة والنقصان في عالم الخلق ولا من المحو والإثبات في عالم التقدير تغيّر في العلم ولا اختلاف فيه ، فاعرفه .
ولنرجع إلى الفحص عن الشيء الأزلي ونبيّن المقصود من هذا الوجه الخفي ، فاسمع ولكن قال اللّه تعالى :
وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ
« 2 » انّ كلّ ذات تقدّست عن مرّ الدهور وتنزّهت عن التقيّد بالمضي والغبور ، فانّه هاهنا وهناك وفوق وتحت وقدّام وخلف ، فهو الأوّل بالنسبة إلى الزمانيّين ، والآخر بعدهم ، ومعهم أينما كانوا ، ومتى ما كانوا ، كما قيل : « ليس عند ربّك صباح ولا مساء » فلا يصحّ في الشيء الآني والموجود الآن انّه وجد بعد ما كانت علّته الأزلية موجودة
هامش
( 1 ) . علّته : زائد عليه د .
( 2 ) . فاطر : 22 .