الثالث ، أن يكون بناؤها على ما يفهم من ظاهر كلام الحكماء من أنّ صنع اللّه انّما هو في الصادر الأوّل ، ثمّ انّ الصادر الأوّل فاعل لما دونه ، وهكذا إلى ساقة الوجود ، فلم يكن اللّه صانعا في البواقي فعند صدور المعلول الأوّل فرغ من الأمر فلا يزيد ولا ينقص ؛
الرابع ، أن يكون ابتناؤها على الأصل المشهور عن بعض المتكلّمين من ثبوت المعدومات وحقيّة الثابتات وتقريره ظاهر ؛
الخامس ، أن يكون مبناها على ما ذهب إليه بعض الأقدمين وأثبته بعض المتأخّرين بكثير من البراهين من انّ الموجودات الزمانية كلّها موجودة في وعاء سابق على الزمان يسمّى ب « الدهر » وتقرير ذلك أيضا يظهر ممّا ذكر .
أمّا الجواب : فقد أجاب الإمام عن ذلك بحيث يقنع السائل ويكون سلّما له لتحصيل حقيقة الجواب الحاسم لموادّ الشبهة ، فانّ معرفة الباطل بانّه باطل نصف العلم ، بل أعظم من ذلك ، فانّه يهدي إلى الحق بأقرب المسالك من دون وقوع إلى المهالك . وذكر - عليه السّلام - جوابين :
أحدهما ، انّ اللّه سبحانه كذّبهم بهذا القول ولعنهم ونسب الغلّ والعجز إليهم ، واللّه تعالى يقول الحقّ فقولهم باطل مطلق ؛
الثاني ، انّ اللّه يقول في كتابه العزيز :
يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ
فالمحو نقصان والإثبات زيادة ، لأنّ « المحو » لا يكون إلّا لما هو ثابت ، وهو « الإثبات » ليس إلّا لما لم يكن ، وبهذا تمّ الكلام ، لكنّا نذكر بالتفصيل ما يقلع جميع تلك الأصول المحتملة لينحسم عن أصلها تلك الشبهة وذلك في مواقف متعدّدة :
الموقف الأوّل في الجواب عن شبهة العلم الأزلي
فاعلم انّ هذه الشبهة في نظر أرباب النظر من علماء الرسوم في غاية الصعوبة