لا يمكن إلّا بالوصول إلى الباب ، إذ ليس تلك المدينة ممّا يمكن الوصول إليها من غير الباب لأنّ أصول أركانها ثابتة في الأرض وفروعها أعني رؤوس جدرانها ذاهبة إلى السماء .
ونقول من وجه آخر : انّ التوحيد هو معرفة الحق بذاته المستجمعة لصفات الكمال ولا يمكن معرفة الأسماء والصفات إلّا بمعرفة مظاهرها ، والمظهر الجامع ليس إلّا رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - لما قد تكرّر بيانه ، وهو مدينة العلم بهذا المعنى أيضا ، وقد تحقّق انّ الوصول إلى المدينة لا يمكن إلّا من الباب ، ثمّ انّه - عليه السّلام - استدلّ على ذلك بكونه « حجة اللّه » وذلك لأنّ الحجة ما به يستدلّ على الشيء ، ونوره - عليه السّلام - أوّل شيء صدر عن المبدأ الواحد بأن جعله مظهر جميع كمالاته سوى ما استأثر اللّه نفسه به من الحرف الواحد الذي دلّ عليه سائر الحروف والأسماء فمن عرفه عرف الواحد الحق بالحقيقة ، وقد بيّنّا ذلك في الأبواب السالفة ؛
وأمّا على قول ابن عباس فالمعنى : أنا باب اللّه الذي يؤتى منه ، ولا سبيل إلى اللّه غيره ، فمن دخل ذلك الباب وصل إلى ربّ الأرباب ، فإذا تحقّق له الوصول يقول عند ذلك : هذا هو الحقّ ولا طريق إلى اللّه إلّا من الوليّ المطلق ، والذي غير هذا السبيل سلك لا يدرى في أيّ واد هلك . وصورة الاستدلال على هذا القول : انّه - عليه السّلام - لمّا كان مظهرا لكافّة الأنوار الإلهية بحيث كان وجه اللّه وعينه ولسانه ويده وجنبه وسائر ما يكون من هذا القبيل ، فمن رآه فقد رأى الحق ، ومن ردّه فقد ردّ الحق ، ومن أنكر ذلك فقد أنكر الحق ، وأنكر الرسول الحق ، لأنّ اللّه تعالى يقول انّه الإمام الحق ، والرسول يقول ذلك عن الحق ، واللّه يقول الحق .
ثمّ انّ المبدّلين من قوم موسى - عليه السّلام - وقعوا بسبب ذلك التبديل في الرجز الأليم ، كذلك في تلك الأمّة لمّا بدّلوا هذا القول الصواب وعدلوا عن ذلك الباب ارتدّوا قاطبة إلّا سبعة ، فأنزل اللّه عليهم رجزا من السماء من المسخ الباطني والعذاب الأبدي بسبب ظلمهم هذا وغصبهم منزلة المولى ، فقال قائلهم عند موته :
شرح توحيد الصدوق — صفحة 758
مساهمون: القاضي سعيد القمي
ص٧٥٨