تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح توحيد الصدوق — صفحة 680

مساهمون:

ص٦٨٠
الآية وقعت في مقام التعيير على قوم زعموا ذلك ، والتنزيه عن قولهم . وتبيين ذلك انّما يحصل بأمور ثلاثة : الأوّل كون « الواو » بمعنى « إذ » ، والثاني تقدير « القول » بعده ، والثالث علة التنزيه وتأييده . أمّا الأمر الأوّل فقد ذكر الثعالبي « 1 » انّ « الواو » قد جاء بمعنى « إذ » في قوله تعالى :
وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ
يريد : « إذ طائفة » وذلك شائع في الكلام . وقد جعل سيبويه « الواو » الحالية الداخلة على الجملة الاسميّة وكذا الأقدمون بتقدير إذ ، قيل : ولم يريدوا انّهما بمعنى واحد إذ لا يرادف الحرف الاسم ، بل انّها وما بعدها قيد للفعل السابق ، كما انّ « إذ » كذلك ؛ ويمكن الجواب بأنّ تلك « الواو » في الجملة الاسمية بمعنى « إذ » في الجمل مطلقا ، وذلك لا يستلزم الترادف كما لا يخفى ، كيف ؟ وقد ذهب الثعالبي وأبو البقاء وغيرهما إلى انّ ما في الآية بمعنى « إذ » . وأمّا الأمر الثاني وهو تقدير « القول » بذلك أيضا كثير ، سيّما في القرآن ، منها : قوله تعالى حكاية عن إيمان المؤمنين باللّه وكتبه ورسله :
لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ
« 2 » أي قالوا : « لا نفرّق » ثمّ عطف عليه قوله :
« وَقالُوا سَمِعْنا »
ويشهد بهذا التقدير في الآية المسؤول عنها ما ورد في الآية الأخرى ، حذو هذا السياق حيث تقدّم فيها :
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ
كما في هذه الآية ، فصرّح بعده بلفظ « القول » وهي قوله عزّ من قائل :
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ
. وأمّا الأمر الثالث أي كون الآية للتنزيل فلتعقيبه بقوله :
سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ
وهذا ظاهر . وسيجيء محمل آخر للآية الكريمة في الخبر التالي لهذا الخبر . ثمّ لا يبعد أن يقال على هذا التقدير : انّ ذلك التنزيه باعتبار انّ الزاعمين لهذا القول قد خصّوا القبضة والطيّ بالآخرة دون النشأة الدنيوية وذلك باطل قطعا ، إذ ليس للّه تفاوت أحوال ولا له سلطنة في حال دون حال . ويؤيّد ذلك تقدير الآية بقوله :
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ
أي ما وصفوه كما ينبغي لكرم وجهه وما عظّموه حقّ عظمته ، حيث
هامش
( 1 ) . في فقه اللغة ، قسم سرّ العربية ، ص 233 . ( 2 ) . البقرة : 285 .
شرح توحيد الصدوق — صفحة 680 | القاضي سعيد القمي