تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح توحيد الصدوق — صفحة 678

مساهمون:

ص٦٧٨
سابقا من كون الدار الآخرة موطن ظهور الحقائق ومحل بروز السرائر والدقائق ، فالمنكر لربّه الناسي له انّما نسي سلطنة الحق الباطن بظهور أنوار كماله المحتجب بشعاع أضواء جماله ، فلم يتوجّه أصلا إلى العالم الباطن بأن يستعدّ بالتخلية والتصقيل للتحلية والتصوير ، ولم يتجاف جنبته عن هذه الجنبة السافلة المموّهة بالتزوير ، وجاهد في إطفاء نوره وسعى في إخماد ذكره يوم سروره ، واجتهد في عمارة الظاهر وتزيين الملابس والمفاخر وتحصيل لذائذ المآكل والمشارب ، فبطلت روحه وزهقت نفسه ، لأنّه من عالم الملكوت ومن سنخ الباطن ، فإذا كان يوم القيامة وبرزت الأمور عن حواقّها كانت نفسه غير مذكورة في تلك الحقائق ، لأنّها ركنت إلى القرية الدنيوية ولم يتخلّص عن المضايق الجسمانية وتلاشت في أعماق الظلمات واضمحلّت في تقلّبات الكائنات الفاسدات ، فيكون غير ذاكر لنفسه ناسيا لها ، لأنّه لم يرها في الملكوت الأعلى .

موعظة

قال بعض الحكماء : إذا رأينا أنفسنا تتّبع هواها وجب علينا الوقوف عندها حتّى ننظر ما هذا الذي يقطعها عن اللّه ونحن نقرّ به فلم نجد لأنفسنا آفة إلّا النسيان ، ولم نجد النسيان إلّا لسوء الرعاية ، وهو من قلّة التفكّر فيما وعد اللّه تعالى وأوعد ، وسببه حبّ الدنيا وهو ميراث إيثار النفس على الرب واختيار محبتها على محبته ، وذلك ميراث الغفلة ، فمن نسي اللّه تعالى أدّاه مواريث نسيانه إلى نسيان نفسه ، قال تعالى :
نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ
« 1 » فمن أراد تنبيه نفسه عن رقدة الغفلة والنسيان فليشتغل بطلب ما أراد اللّه منه وليتّخذ عقله دليلا على هواه ، فهنالك يصفو ذكره ويؤثر ربّه .
هامش
( 1 ) . الحشر : 19 .