جهة « نور يقذفه اللّه في قلب من يشاء » ومن حيث قبولها عن اللّه والأخذ منه تعالى من غير أن يقوم عليها دليل ولا برهان ، ولذا اشتهر بين أهل المعرفة انّه طور وراء طور العقل ، ومن البيّن انّه ليس وراء العقل طور ، بل معناه انّه ليس فيه تعمّل العقول لأنّ إدراكات العقول لها طرق معلومة مضبوطة وهذا القسم ليس من تلك الطرق ؛ فتدبّر .
انتقاد إذا دريت هذا الذي قلنا رقيت مرقاة أهل الهدى وتيقّنت انّ الإنسان انّما انحصرت مداركه فيما تعطيه ذاته ممّا له فيه كسب ، ولا يدرك شيئا إلّا وفي الإنسان منه سنخ ، ولا يعرف إلّا ما يشاكله ويناسبه ، والباري جلّ مجده لا في شيء ولا يشبه شيئا وليس منه سبحانه في أحد شيء أو سنخ ، تعالى عن ذلك علوّا كبيرا ! فلا يعرفه أحد من نفسه وفكره وعقله ، وما بقي للإنسان إلّا تهيّؤه لقبول ما يهبه اللّه تعالى من معرفته ، وقد صحّ الخبر عن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - : « انّ اللّه احتجب عن الأبصار وانّ الملاء الأعلى يطلبونه كما تطلبونه أنتم » « 1 » - الخبر . فمن طلب اللّه تعالى بعقله من طريق فكره ونظره فهو حائر بائر « 2 » ، وعن قصد السبيل جائر ، فلا علم ولا معرفة لأحد باللّه تعالى إلّا بإعطاء منه سبحانه وإخبار من لدنه ، فالطالب للسلامة يترك الآيات والأخبار الموهمة للتشبيه على ما جاءت به من غير عدول منه إلى شيء ويكل علم ذلك إلى اللّه تعالى وإلى رسوله ، وقد نفى اللّه سبحانه التشبيه عن نفسه رأسا حيث قال عزّ من قائل :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
والدليل العقلي قائم على ذلك ؛ فما بقي إلّا انّ لتلك الآية وذلك الخبر وجوها من التنزيه يعرفه اللّه تعالى ، ونحن نعتقد ذلك على سبيل الإقرار المحض من دون تصرّف فيه بعقولنا ، وإن كان قد وجد في صحفنا ، سيّما في هذه الصحيفة بعض
هامش
( 1 ) . الفتوحات ، ج 1 ، ص 95 .
( 2 ) . البائر بالمرصدة والهمزة ثالثا : اتباع الحائر . منه .