شرح : هذا هو المقام الثاني وهو بيان مسمّى الكلمة الشريفة ؛ فأوّل ما قال فيه :
انّ اللّه لا حدّ له ، أمّا « الحدّ » بمعنى النهاية حسيّة كانت أو عقليّة فانتفاؤه ظاهر ، إذ الأوّل يستلزم التقدّر ، والثاني يوجب انتهاء وجوده عند ذلك الحدّ ، وهو سبحانه لا نهاية لوجوده ؛ وأمّا الحدّ بمعنى المعرّف الكاشف فهو أيضا لا يمكن لأنّه يتيسّر بتعرّف جميع مظاهره في العالم وليس ذلك في وسع أحد ، ولأنّ التعريف إمّا بالحد فليس للألوهيّة جنس فيتركّب وإمّا بالرسم وذلك بالأعراض الذاتية وليس لها عرض ذاتي لاستدعائه اجتماع الفعل والقبول وهو في الواحد المبسوط ممتنع . ثمّ لمّا كان معرفة الشيء إمّا بهذه الطرق وقد عرفت حالها وإمّا بحكم الأمثال والأشباه وهذا أيضا مستسحيل هناك وقد سبق مرارا ، فلذلك قال عليه السّلام : « ولا يعرف بشيء يشبهه » أي لا شبه له حتّى يعرف به وهذا مثل قول العرب : « ولا أرى الضب بها فيتجحّر » « 1 » ثمّ قال : « ولا يهرم للبقاء » الهرم انّما يعرض للقوى الجسمانية لوقوعها في الزمان وما لا حاجة له إلى القوة ولا يقع في زمان من الأزمنة فلا يهرم ، ومن المستبين انّ الغرض من هذه العبارة انّه تعالى ليس لبقائه امتداد أصلا ، وإلّا لكان معروضا للكمّ ، خلافا لجماعة قاصرة الأفهام ، حيث زعموا لبقائه سبحانه امتدادا وينتزعون بزعمهم من هذا البقاء الزمان الموهوم الفاصل بين المبدأ والعالم . ثمّ ذكر - عليه السّلام - حكما آخر : « ولا يصعق لدعوة شيء ، ولخوفه تصعق الأشياء كلّها » الدعوة التي تصعق بها الأشياء هي دعوة الحق للخلق وطلب العالي إقبال السافل وأمره بالرجوع إلى وطنه الأصلي ، والعود إلى أصله الكلّي ، وأمثال هذا الأمر هو التجافي عن دار الغرور التي هي الجهة التي للأشياء إلى ذواتها والتوجّه إلى الوجه الذي إلى عللها ، وهذا هو معنى « الإقبال » من وجه في « حديث العقل » ولمّا لم يكن للجهل وجه إلى الحق فلذلك لم يتحقق الإقبال منه ، وليس فوقه سبحانه ما يدعوه حتّى يصعق ، لكنّ الأشياء التي صدرت منه تصعق لدعوة من مخافته .
هامش
( 1 ) . من أمثال العرب . والتجحّر : الدخول في الجحر .