صنعته ويضع كلّا من دقيقه وجليله موضعه ممّن لا يعرف الصياغة ، ولا ينتظم كتابة يتبع كلّ حرف منها ما قبله من لا يعلم الكتابة ، والعالم ألطف صنعة وأبدع تقديرا ممّا وصفناه ، فوقوعه من غير عالم بكيفيته قبل وجوده أبعد وأشدّ استحالة ، وتصديق ذلك ما حدّثنا به عبد الواحد :
وذكر الخبر يأتي عن الرضا - عليه السّلام - وصورة الدليل ظاهرة .
الحديث العاشر [ في سعة علمه تعالى شأنه ]
بإسناده عن الفضل بن شاذان ، قال : سمعت الرضا عليّ بن موسى - عليهما السّلام - يقول في دعائه : « سبحان من خلق الخلق بقدرته ، وأتقن ما خلق بحكمته ، ووضع كلّ شيء منه موضعه بعلمه ، سبحان من يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، وليس كمثله شيء وهو السميع البصير » .
شرح : نسب الخلق إلى القدرة وهي الاقتدار بالتأثير في كلّ شيء بحيث لا يمتنع عنه ذرّة في حال من الأحوال ؛ ونسب الإتقان والإحكام إلى الحكمة وهي العلم بحقائق الأشياء وأوصافها وخواصها على ما هي عليه وارتباط الأسباب بالمسببات وأسرار انضباط الموجودات ؛ ونسب وضع كلّ شيء موضعه على الترتيب السببي والمسببيّ إلى العلم وهو الإحاطة الكليّة الإجمالية والتفصيلية التي لا يعزب عنها مثقال ذرة ، وذلك لأنّ الإيجاد لا يكون إلّا بالقدرة ، والإتقان لا يتحقّق إلّا بالحكمة ، والترتيب اللائق بكل شيء لا يوجد إلّا بالعلم . ولا ريب انّ هذه نسب واعتبارات ، لا أعيان زائدة ولا أشياء ، بل هي أمور عدميّة كسلب العجز والجهل وغيرهما ، ولا انّ هناك صفة هي عينه أو غيره ، تعالى اللّه عن ذلك