تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح توحيد الصدوق — صفحة 459

مساهمون:

ص٤٥٩
شرح : يشبه أن يكون المراد بالمكان في هذا الخبر ما أجاب به النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - حين سئل : « أين كان ربّنا قبل أن يخلق الخلق ؟ » قال : « كان في عماء ما فوقه هواء وما تحته هواء » « 1 » و « العماء » بالمهملة : الغيم الرقيق . وكلمة « ما » في الموضعين للنفي ، وإلّا فلو كان المكان هو المعروف المشهور لما كان للتخصيص وجه . وعلى ما قلنا فالمراد به المرتبة الواحدية الّتي هي منشأ الصفات الذاتية من العلم والحياة والقدرة وغيرها . وتلك الحضرة هي الواسطة بين سماء الأحدية والإطلاق وبين أرض الكثرة والتقييد ، كما انّ الغيم هو الحائل بين السماء والأرض ، فيكون حينئذ للسؤال وجه ، وهو السؤال عن العلم بتلك الحضرة مع كونها حضرة العلم كما سبق ؛ فأجاب الإمام - عليه السّلام - بأنّه لم يزل عالما بالمكان الذي هو حضرة العلم قبل تكوينه بنفس ذاته سبحانه ، كما يعلمها بعد كونها ، كما عرفت من الكمال الذاتي . ويظهر من قوله - عليه السّلام - بطلان القول بأنّ علمه بالجزئيات على غير نحو علمه بالكليات ، وذلك لأنّ علمه إذا كان بجميع الأشياء كعلمه بالمكان والمكان حقيقة جزئية ، فيجب أن يكون علمه بالأشياء الكلية والجزئية كعلمه بالأمر الجزئي . والبرهان الإجمالي المختصر على ذلك انّه لو كان علمه بالجزئي غير علمه بالكلي والعلم ذاته كما سيجيء ، لكان يلزم التفاوت في ذاته ، ويلزم الاختلاف في نسبته إلى الأشياء ، وهو أيضا يستلزم الاختلاف في الذات ، وهو سبحانه لم يتفاوت في ذاته ، ولا يختلف فيها ولا في الصفات ، فتبصّر . ثمّ ان المصنّف - رضي اللّه عنه - ذكر دليل الإحكام والاتقان المشهور بين الحكماء والمتكلّمين على ثبوت العلم بهذه العبارة : قال مصنّف الكتاب : من الدليل على انّ اللّه تبارك وتعالى عالم انّ الأفعال المختلفة التقدير ، المتضادّة التدبير ، المتفاوتة الصنعة ، لا تقع على ما ينبغي أن يكون عليه من الحكمة ممّن لا يعلمها ، ولا يستمرّ على منهاج منتظم ممّن يجهلها ، ألا ترى انّه لا يصوغ قرطا بحكم
هامش
( 1 ) . سنن ابن ماجة ، ج 5 ، ص 288 ، حديث 3109 .
شرح توحيد الصدوق — صفحة 459 | القاضي سعيد القمي