وما لك عليه ، ويرجع الكل إليه ، وإليه يرجع الأمر كله ،
أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ
« 1 » ، فما في الكون إلّا أسماؤه ونعوته غير انّ الخلق ادّعوا بعض تلك الأسماء والنعوت لأنفسهم ، ومشى الحقّ ممشاهم ، فخاطبهم بحسب ما ادّعوا . وأمّا طريق أهل المعرفة : فما ادّعوا في شيء من ذلك ، بل جمعوا الكل عليه حتّى انّهم نبّهوا في الأسماء والنعوت انها حكم آثار استعدادات الأعيان . وهذا سرّ خفيّ لا يعرفه الّا من عرف انّ اللّه هو الحقّ ، وانّ الأعيان على حالها ، ما تغيّر عليها وصف في عينها ، قال تعالى :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
وهذه الآية على وجوه كثيرة أعلاها انّه ليس هاهنا شيء كما انّ ليس مثله شيئا .
فإن قلت : فما هذه الكثرة المشهودة ؟
قلنا : هي نسب أحكام استعدادات الممكنات بالنظر إلى الوجود الحق ، والنسب ليست أعيانا ولا شيئا ، وانّما هي أمور عدمية . وإذا لم يكن في الوجود شيء سواه فليس مثله شيء لأنّه ليس ثمّ شيء .
وقال « 2 » في بعض رسائله : « اعلم انّ الحق من حيث إطلاقه الذاتي لا يصحّ أن يحكم عليه بحكم ، أو يعرّف بوصف ، أو يضاف إليه نسبة ما ، لأنّ كلّ ذلك يفضي بالتعيّن والتقيّد ، ولا ريب انّ تعيّن كلّ متعيّن يقضي بسبق اللّاتعيّن » . وقال في معنى قوله : « كان اللّه ولم يكن معه شيء » « 3 » : « لا تصحبه الشيئية ولا تطلق عليه ، وكذلك هو ، ولا شيء معه ، فانّه وصف ذاتيّ له سلب الشيئية عنه وسلب معيّة الشيئية ، لكنه مع الأشياء وليست الأشياء معه ، لأنّ المعيّة تابعة للعلم وهو يعلمنا فهو معنا ونحن لا نعلمه فلسنا معه » . ثمّ قال « 4 » : « ولأنّ المعيّة نعت تمجيد ولا مجد لمن هو
هامش
( 1 ) . الشورى : 53 .
( 2 ) . أي محيي الدين ابن العربي .
( 3 ) . في الفتوحات ، ج 2 ، ص 56 ، سؤال 23 .
( 4 ) . في نفس المصدر .