تعالى كما ينظر إلى العباد بتوسّطهم نظر الرحمة كذلك ينظر كلّ يوم بهذا العدد إلى العباد من وجوه أخر ، لتربيتهم وتكميلهم وحفظهم وإيصالهم إلى كمالاتهم .
الثاني ، انّ ذلك باعتبار لفظ الاسم « البصير » فانّه ثلاثمائة واثنان والكسور لا يعبأ بها في تحقيق الحقائق ، ودلالة الألفاظ على المعاني ليست بالجزاف بل الوضع فيها وضع معقول روعي فيه ترتيب الحقائق ، ولكلّ اسم تأثير خاصّ في جزئيات العالم ، فباعتبار ذلك الاسم له كل يوم ثلاثمائة لحظة .
الثالث ، انّ « اليوم » عبارة عن دورة واحدة من أدوار الفلك المحيط بالسماوات والأرض ، وهو إمّا من الطلوع إلى الطلوع ، أو من الغروب إلى مثله ، أو من الاستواء إلى نظيره ، فاليوم طوله ثلاثمائة وستون درجة ، لأنّه يظهر فيه الفلك كلّه ، وفي هذا اليوم تأخذ الأجسام مصالحها من المبدأ الفيّاض من الغذاء والنمو والصحة والحياة وما أشبه ذلك ، كما تأخذ العقول معارفها ، والأرواح بصائرها ، والبصائر مشاهدها وقد شاع في الأخبار التعبير عن تلك الدرجات بالثلاثمائة وإن لم يحضرني متنها ، فلعلّه باعتبار كلّ درجة له تعالى نظر إلى خلقه بالتنمية والتغذية والحفظ والإمساك والقيّوميّة - والعلم عند اللّه - وعلى هذا فينبغي إيراد هذا الخبر في باب السمع والبصر ، لكن لمّا كان ذلك من لوازم القدرة الكاملة التي لا يتحرّك متحرّك إلّا بها ولا يقدر القادرون على دفعها ، أورده المصنّف - رضي اللّه عنه - في هذا الباب ؛ فتدبّر .
الرابع ، ذكر بعض أهل المعرفة « 1 » في ذكر القلوب المتعشقة بالأنفاس ما يمكن أن يصير وجها لما نحن بصدده ، حاصله : لمّا كانت خزائن الأرواح الحيوانية تعشقت بالأنفاس الرحمانية للمناسبة ، قال رسول - صلّى اللّه عليه وآله - : انّ نفس الرحمن يأتيني من قبل اليمن ، إلّا وانّ الروح الحيواني نفس وانّ أصل هذه الأنفاس عند القلوب المتعشقة بها هو النفس الرحماني الذي من قبل اليمن لمن أخرج عن وطنه
هامش
( 1 ) . وهو محيي الدين بن عربي في الفتوحات ، ج 1 ، باب 24 ، ص 185 مع شرح وإضافات .