استحقاقيّة الماهية من دون طلب ذاتيّ للوجود ، واللّه سبحانه في هاتين الصورتين أي الوجوب والإمكان إن فعل فبجوده وكرمه وأن لم يفعل فبعدله واختياره .
ثمّ انّ النزاع المتوهّم من أصول الحكماء وقواعد أصناف المتكلّمين فمنشؤه عدم اطّلاع أنصار الطرفين على حقيقة ارتباط المعلول بالعلّة ، وقيّوميّتها له ، ونسبة الخلق إلى الخالق ، وصدوره عنه ، فمن ذلك النزاع الواقع بين الحكماء والمتكلّمين من إلزام الطائفة الأخيرة على الأوّل انّهم لا يقولون بشمول قدرته تعالى كلّ شيء ، فانّ الحكماء مصرّحون بأنّ الشيء الذي له معنى ما بالقوة ، كقاطبة قاطبي « 1 » عالم الإمكان يمتنع أن يكون مخرجا لمثله إلى الفعل ، وكذا الخلافات التي بين المتكلّمين من انّه هل هو قادر على فعل القبيح أو لا ، وهل هو قادر على مثل أفاعيل العباد أم لا ، وانّه هل هو قادر على عين أفعال العباد أم لا ، انّما نشأ ممّا قلنا ، وإذا سمعت ما سيتلى عليك في أواخر هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى ، من الحديث القدسي : « يا بن آدم بمشيّتي كنت أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاء وبنعمتي قويت على معصيتي » « 2 » ومن قول أمير المؤمنين - عليه السّلام - للسائل بعد ما جرى بينهما ما حاصله :
أخبرني هل يستطيع باللّه ، أو مع اللّه ، أو من دون اللّه ، فاختار السائل الأوّل ، فقال - عليه السّلام - : لو قلت غير هذا لضربت عنقك « 3 » ، فقد
جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً
.
وأمّا الجدال الواقع بين أهل الملل وأرباب الآراء من عينية هذه الصفة وزيادته وقدمه وغيرها ممّا دارت وشاعت الفتنة في الآخرين بسببه ، فقد نشأ من العمى عن الحقّ ، أو التعامى ، وقد سبق في تضاعيف الكلمات السوابق ما يكتحل به البصير لرؤية الحقائق ، وسيجيء عودا ثانيا في باب الأسماء والصفات إن شاء اللّه ، واللّه وليّ الخيرات .
هامش
( 1 ) . قاطني : قاطبي د .
( 2 ) . التوحيد ، باب المشيّة ، ص 338 و 344 .
( 3 ) . نفس المصدر ، ص 337 وفيه : « لضربت الذي فيه عيناك » .