وجلّ كلّمه وقرّبه وناجاه ، فقالوا : لن نؤمن لك حتّى نسمع كلامه كما سمعت . وكان القوم سبعمائة ألف رجل فاختار منهم سبعين رجلا « 1 » لميقات ربّه ، فخرج بهم إلى طور سيناء ، فأقامهم في سفح الجبل وصعد موسى - عليه السّلام - إلى الطور وسأل اللّه تبارك وتعالى أن يكلّمه ويسمعهم كلامه ، فكلّمه اللّه تعالى ذكره ، وسمعوا كلامه من فوق وأسفل ويمين وشمال ووراء وأمام ، لأنّ اللّه عزّ وجلّ أحدثه في الشجر ، ثم جعله منبعثا منها حتّى سمعوه من جميع الوجوه .
شرح : لمّا كان سؤال المأمون في صورة التقرير الأول من التقريرين اللذين قرّرنا ، أجاب - عليه السّلام - بأنّ ذلك صدر من اقتراح القوم بالتفصيل الذي ذكره عليه السّلام . « نجيّا » أي مناجيا ، وقد بيّن ذلك بقوله : « وقرّبه وناجاه » .
والنكتة في عدد السبعمائة ألف كون تفاصيل الحجب التي لا يخلو أحد منها بحسب خلقته ونشأته بهذه العدّة . والسرّ في اختيار السبعين كون أصول الحجب ذلك ، فهو - عليه السّلام - محّصهم وخلّصهم حتّى بقي عدد الأصول من الحجب ، وتحت هذا سرّ . وإقامتهم في سفح الجبل هو ما انحطّ منه لكونهم محجوبين عن الصعود إلى ذرى « 2 » الحقائق وأعلى قلل الشواهق ؛ و « صعّد » على التفعيل ، لأنّ الصعود إلى الجبل يستعمل كذلك بخلاف غيره . وقوله : « يسمعهم » على الإفعال ولذا تعدّى إلى مفعولين .
واعلم انّ سماع موسى كما ورد في الخبر ، من غير واسطة ، فلذا لم يقيّد بالجهة .
وهؤلاء القوم لمّا كانوا محجوبين سمعوا من حجاب الشجرة . ولمّا كان الأمر الغير ذي الجهات إذا ورد فيها ، ومن البيّن انّه لم يكن له اختصاص بجهة دون جهة بحسب ذاته ، كان مسموع القوم من جميع الجهات لكن حدوثه من الشجرة انّما هو
هامش
( 1 ) . رجلا : + ثمّ اختار منهم سبعة آلاف ، ثمّ اختار منهم سبعمائة ، ثمّ اختار ( التوحيد ، ص 121 ) .
( 2 ) . ذرى : ذوى ب .