الأبيض هو النور المتولّي لإفاضة المعارف والعلوم والصناعات » - انتهى كلامه .
وعندي : انّه - رضي اللّه عنه - لم يصب في مرماه ولم يحم من الخبر حول مرماه ، لما عرفت من انّ تلوّن الأنوار انّما هو بالقرب من موطن الأجرام والبعد عنها والتوسط بينهما ، وليس في الأنوار العقلية الصّرفة اختلاف لون ، ولا بينها تفاوت في قرب بالنظر إلى هذا العالم ، بل نسبتها جميعها سواسيّة ، فهي في البعد الأبعد منها باعتبار ، والقرب الأقرب باعتبار ، لا انّ بعضها قريب وبعضها أقرب ؛ وأيضا ، مطالعة النفس صور الحقائق المنطبعة في العقول قول مشهوريّ وقد عرفت من تحقيقاتنا حقيقة الأمر فيه ؛ وأيضا هذا الخبر بيان أمر المعراج وليس هو عقليّا صرفا كما توهّمه المقتنع « 1 » بظواهر الحكمة المشّائية ، بل هو واقع بجسمه المبارك ونفسه الشريفة وروحه القدسيّ فهو - صلّى اللّه عليه وآله - أحاط في هذا الإسراء بجميع العوالم الثلاثة بحيث صار جسمه كأنّه جسم الكل ، ونفسه نفس الكل ؛ وعقله عقل الكل ، فلمّا رأى بقلبه ، أي حين استوائه على عالم الوجود واستقامته على نقطة الاعتدال بحيث استوت نسبته إلى كل ضوء وفيء ، رأى نفسه على صورة الشابّ الموفّق الذي وجهه كنور القمر ليلة البدر في كمال البياض وهو النور العقلي القاهر ، وأوسطه في استقامته ، واعتداله في النور الأحمر النفسي لتوسّطه بين عالم العقل وعالم الطبع ، ورجلاه في النور الأخضر الجسمي اللطيف الصافي من شوب الفلكية والعنصرية ؛ هذا إذا أخذ : « الجعل » في قوله : « جعله في نور » متعلّقا بالرّسول - صلّى اللّه عليه وآله - وأمّا إذا تعلّق « الجعل » بالقلب فمن البيّن انّ للقلب ثلاث جهات : جهة إلى عالم العقل الذي جاء منه ، وجهة إلى عالم النفس إذ القلب في الأخبار عبارة عن مرتبة تنزّل الرّوح إلى رتبة قريبة من النفس ، وجهة إلى عالم الجسم من حيث تدبيره فيه ، فالمعنى على هذا التقدير : انّه صار قلبه مستغرقا في هذه الأنوار الثلاثة محيطا بها ، فهو واقف في مقام الجمع ومنزل الاستواء ، فيكون قدم قلبه واقعا في النور الأخضر ، أي عالم الأجسام ؛ واللّه أعلم .
هامش
( 1 ) . المقتنع : المقنع م ن د ب .