صورة بأي معنى كان ، حتّى تضاهيها تلك الصورة الإنسانيّة ، بل المراد بالصورة الّتي اصطفاها اللّه هي هذه الصورة الّتي ذلك الإنسان عليها . ومعنى انّ اللّه خلق آدم على صورته بناء على انّ الضمير يرجع إلى اللّه سبحانه ، هو انّ اللّه خلقه على الصورة الّتي اختارها على سائر الصور ، أن يكون للمختار من خلقه والمصطفى من بريّته وهو الإنسان كما اصطفى روحه من بين سائر الأرواح ، والكعبة من جملة البيوت ، والّا فالكلّ للّه وبالنسبة إليه على السواء .
الوجه الثّامن : وهاهنا وجه لطيف وسرّ شريف تفرّدت بفهمه بعون اللّه تعالى وفضله بناء على عدم تعدد الصورة ، وهو انّه قد ورد في الخبر : « انّ اللّه تجلّى لعباده من غير أن رأوه » « 1 » وفي دعاء عرفة لسيد الشهداء - صلوات اللّه عليه وعلى آبائه وأبنائه - : « إلهي قد علمت من اختلاف الأطوار أنّ مرادك منّي أن تتعرّف إليّ في كلّ شيء حتّى لا أجهلك في شيء » « 2 » ويظهر من ذلك ومن غيره من الخطب والآثار انّ اللّه يتجلّى في كلّ شيء على معنى يعرفه أولياؤه وخواصّ خلقه . ومن البيّن انّ غير الإنسان لا يحتمل ظهور جميع التجلّيات فيه على الجملة ، لقوله تعالى :
إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ وَالْجِبالِ ] فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا
« 3 » وفي - القدسيات : « لا يسعني ارضي ولا سمائي بل يسعني قلب عبدي المؤمن فانّه ينقلب معي وفيّ » فهو سبحانه قد تجلّى في النشأة اللطيفة الإنسانية بجميع كمالاته وقاطبة وصفاته . وهذا أحد معاني « خلق آدم على صورته » .
الوجه التّاسع : ونقول على طرز غريب ورمز عجيب انّ اللّه سبحانه وصف نفسه بأنّه حيّ عالم قادر مختار شاء مريد سميع وبصير ، وانّ كلّ شيء هالك الّا وجهه ، وانّه خلق آدم بيديه ، وانّه قائم على كلّ نفس بما كسبت ، وقال عليّ - عليه
هامش
( 1 ) . نهج البلاغة ، الخطبة 147 مع اختلاف يسير .
( 2 ) . من دعاء عرفة . راجع كتب الأدعية كزاد المعاد للمجلسي ومفاتيح الجنان .
( 3 ) . الأحزاب : 72 .