فانّه مجموع العالم من حيث حقائقه ، فهو عالم مستقلّ ، وما عداه فانّه جزء من العالم ، والعالم كلّه تفصيل آدم ، وآدم هو الكتاب الجامع ، فهو للعالم كالروح من الجسد ، فالإنسان روح العالم ، والعالم الجسد ، فبالمجموع يكون العالم كلّه هو الإنسان الكبير والإنسان فيه . إذا نظرت في العالم وحده دون الإنسان وجدته كالجسم المسوّى بغير روح ، وكمال العالم بالإنسان مثل كمال الجسد بالروح ، والانسان منفوخ في العالم فهو المقصود منه .
الوجه الثاني : قال اللّه عزّ من قائل :
وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ
- الآية . هذه الآية تدلّ على انّ الإنسان نسخة جميع الأسماء الإلهيّة وفذلكة جملة الحقائق النورية المتوجّهة لإيجاد العالم كلّه ؛ أمّا الدلالة ، فيظهر من « التعليم » بناء على اتّحاد العقل والعاقل والمعقول ، وأمّا الاشتمال على جميع الحقائق الإلهيّة المتوجّهة لإيجاد العوالم كلّها « 1 » فلأنّ الإنسان آخر موجود من العالم ، والأسماء انّما تكون عند وجود المسمّيات فتعليم الأسماء هو ترتيب « 2 » المسمّيات « 3 » وإضمارها في مرآة نفس المتعلّم ، والجمع المحلّي باللّام مع التأكيد يفيد الاستغراق ، وبالجملة فهو يحتوي على حقائق جميع الأسماء ويشتمل على دقائق آثارها ، ومن جملة تلك الأسماء أسماء متوجّهة لخلق الملائكة لأنّهم من العالم لا محالة ، وهم وإن عرفوا بعضا من المسمّيات وهي أنفسهم ، لكن ما عرفوا الأسماء المتجلّية فيهم ؛ فأمر آدم - عليه السّلام - بأن ينبئهم بأسمائهم أي الصور « 4 » المتجلّية فيها الأسماء بظهور آثارها ، فأنبأهم بأسماء تلك التجليات وكانت على عدد ما في نشأة آدم من الحقائق التي تقتضيها اليدان . وتلك المسمّيات المعروضات تجليات إلهيّة في صور الحقائق الّتي في آدم ، والّا لم يكن له أن يعلّمهم ؛ ولذلك قال اللّه تعالى لهم :
اسْجُدُوا لِآدَمَ
هامش
( 1 ) . كلّها : - م ن د ب .
( 2 ) . ترتيب : تعريف ر .
( 3 ) . فتعليم . . . المسمّيات : - م ن د .
( 4 ) . الصور : الصورة د م ن .