بعض النّاس زعم انّ للّه عزّ وجلّ صورة مثل الإنسان ، وقال آخر :
انّه في صورة أمرد جعد قطط ؛ فخرّ أبو عبد اللّه - عليه السّلام - ساجدا ، ثمّ رفع رأسه ، فقال : « سبحان الّذي ليس كمثله شيء ولا يدركه الأبصار ولا يحيط به علم ، لم يلد لأنّ الولد يشبه أباه ، ولم يولد فيشبه من كان قلبه ، ولم يكن له من خلقه كفوا أحد ، تعالى عن صفة من سواه علوّا كبيرا » .
شرح : « الأمرد » على وزن افعل : الشاب طرّ شاربه ولم تنبت لحيته . و « الجعد » بالفتح والسكون كالضخم نعت من الجعد كالضرب ، والجعودة خلاف السبوطة أو « 1 » القصير منها ، والسبوطة وهي بالفارسية « فروهشته شدن موى » والجعد « مرغول شدن موى » . والقطط بالتحريك « سخت مرغول شدن آن » ولذلك قال في النهاية الأثيريّة « 2 » : « القطط » : الشديد الجعودة وقيل : الحسن الجعودة ، والأوّل أكثر » وقال : « الجعد في صفات الرجال يكون مدحا وذمّا ، فالمدح أن يكون شديد الأسر والخلق ، أو يكون جعد الشعر وهو ضد السّبط » « 3 » انتهى . وبالجملة ، ذكر القطط بعد الجعد لبيان تلك الزيادة وقد يقال : الجعد : الكريم والرجل المربوع القامة ، وعلى هذا فالأوصاف الثلاثة لبيان كونه على صورة الشّاب ، والثاني لذكر القامة ، والثالث لبيان حسنه وجماله .
وأمّا تأويل هذا « 4 » الخبر : فاعلم أنّ الإمام - عليه السّلام - سجد حين سمع هذه المقالة ، ومن البيّن عند أهل الحقّ انّ السجود هو مقام الفناء ، وفي ذلك إشارة لطيفة إلى انّ الكل هالك عند وجهه الكريم ، فلا شيء حتّى يشبهه بل هو هو ، لا شيء غيره ، كما سبق في الخبر . ثمّ انه صلوات اللّه عليه سبّح اللّه ونزّهه عن أن يشبه شيئا
هامش
( 1 ) . أو : هو ب .
( 2 ) . نهاية الأثر لابن أثير الجزري ( 544 - 606 ) ج 4 ، باب القاف ، ص 81 .
( 3 ) . نفس المصدر ، ج 1 ، باب الجيم ، ص 275 .
( 4 ) . هذا : - م ن د ب .