الإرجاع ما ورد في بعض الأخبار العامية وفي ترجمة التوراة : انّ آدم خلق على صورة الرحمن « 1 » ، فعلى هذا فلنذكر لذلك وجوها بعون اللّه تعالى :
الوجه الأوّل : قال بعض أهل المعرفة « 2 » في معناه : انّ الانسان الّذي هو آدم عبارة عن مجموع العالم ، فانّه [ الانسان ] « 3 » الصغير وهو المختصر من العالم الكبير ، والعالم ما في قوّة إنسان حصره في [ الإدراك ] « 4 » لكبره وعظمه ، والإنسان صغير الحجم يحيط به الإدراك من حيث صورته وتشريحه وبما يحمله « 5 » من القوى الروحانيّة ، فرتّب فيه جميع ما خرج عنه ، فارتبطت بكل جزء منه حقيقة الاسم الإلهي التي أبرزته ، وظهر عنها ، فارتبطت به الأسماء الإلهية كلّها ، لم يشذّ عنه منها شيء ، فخرج آدم على صورة الاسم اللّه : إذ كان هذا الاسم يتضمّن جميع الأسماء الإلهية ، كذلك الإنسان ، وإن صغر جرمه عن جرم العالم فانّه يجمع حقائق العالم الكبير ، ولهذا سمّى العقلاء العالم « إنسانا كبيرا » ولم يبق في الإمكان معنى الّا وقد ظهر فيه ، فقد ظهر في مختصره . والعلم تصوّر المعلوم ، والعلم من صفات العالم الذاتيّة ، فعلمه صورته ، وعليها خلق آدم ، فآدم خلقه اللّه على صورته ؛
وقال في موضع آخر « 6 » : ان قلت ما صفة آدم ؟ فالجواب : إن شئت صفة الحضرة الإلهيّة ، وإن شئت مجموع الأسماء الإلهية ، وإن شئت قول - النبي صلّى اللّه عليه وآله - : « انّ اللّه خلق آدم على صورته » فهذه صفته ، فانّه لمّا جمع له في خلقه بين يديه علمنا انّه قد أعطاه صفة الكمال ، فخلقه كاملا جامعا ، ولهذا قبل الأسماء كلّها ،
هامش
( 1 ) . التوراة ، سفر التكوين ، الباب الأوّل ، فقرة 27 .
( 2 ) . وهو ابن عربي في الفتوحات المكيّة ، ج 2 ص 124 ( السؤال 143 ) والشارح لخّص كلامه .
( 3 ) . الإنسان ( الفتوحات ) : العالم جميع النسخ .
( 4 ) . الإدراك ( الفتوحات ) : إدراك جميع النسخ .
( 5 ) . يحمله : يحتمله د م ن .
( 6 ) . أي ابن عربي في الفتوحات المكيّة ، ج 2 ص 67 ( السؤال 40 ) والشارح لخصّ كلامه .