ومن أين يحسن ذلك النزاع ؟ ! وأمّا مذمّة العقلاء أو ترتّب العقاب فلا يجعل الفعل ممتنعا بل يجعله قبيحا أو محظورا . غاية ما في الباب انّه لا يليق ذلك بالصانع الحكيم وقد عرفت الأمر هناك ، وانّه لا يصحّ القول فيه بالرّجحان وعدمه أصلا ؛ أمّا في الإنسان الّذي من لوازم طبعه الخطأ والنسيان فأيّ استحالة وامتناع ، مع انّ الندامة والإقرار بالخطإ يؤكّدان الوقوع .
فإن قلت : من المقرّر أنّ في الإنسان قوى متنازعة ولكلّ منها مقتضيات ومشتهيات متخالفة ، فلعلّه باعتبار بعض القوى صار ذلك المساوي أو الضعيف راجحا لموافقته غرض تلك القوى ، وإن كان باعتبار بعض آخر أو بالقياس إلى نفس الأمر مساويا أو ضعيفا .
قلت : هذا اعتراف بعدم الامتناع الذّاتي إذ لا يجري فيه انقلاب واختلاف اعتبارات حتّى يكون باعتبار واجبا « 1 » وباعتبار آخر ممتنعا ، فقول من قال بأنّ مرجوحية « 2 » الداعي إذا كان بالنظر إلى إرادة الفاعل فتعلّق الإرادة محال بالضرورة ، فاسد ، لأنّه عين المدّعى مع انّ الداعي معناه مرجّح الإرادة وهاهنا يتحقّق الداعي وإن كان ضعيفا ، فتتحقّق الإرادة ؛ غاية ما في الباب أن يكون ذلك التعلّق غير واقع بتلك الإرادة ، لا انّ الإرادة يستحيل تعلّقها ؛ مع انّ ادّعاء عدم الوقوع في موضع المنع ، والسند وجود الداعي الّذي من شأنه ترجيح الإرادة وترجيح تعلّق الإرادة هذا في المخلوق ؛ وأمّا في الخالق فالداعي على زعمهم نفس الإرادة فمعنى الداعي الضعيف والمساوي الإرادة الضعيفة والمساوية . ومن البيّن انّه لو لم يقع التعلّق من الحكيم في هاتين الصورتين فلا أقلّ من أن يتردّد أو ما في حكم « 3 » التردّد ؛ هذا دليل الإمكان فافهم « 4 » .
هامش
( 1 ) . واجبا . . . ممتنعا : - ب .
( 2 ) . بأنّ مرجوحية . . . أو ما في حكم : - ب .
( 3 ) . حكم : حكمه ر .
( 4 ) . حكم التردد . . . فافهم : - م ن ر .