ما يستضيئون به إلى الواحد المعبود . ولا يبعد أن يكون الرجل قد « تكلّم في التوحيد » بأن يعتقد الجسمية للمبدإ الأعلى تعالى شأنه ، كما هو منقول عن هشام ابن الحكم من انّه تعالى جسم نوريّ صمديّ « 1 » أو انّه أجوف إلى السّرّة والباقي مصمّت « 2 » . وهذا اصطلاح شائع حيث عبّر عن القائل بالجسمية ب « المتكلّم في التوحيد » كما سيأتي قريبا ، وعلى هذا يكون التكلّم في الكيفية هو القول بالصورة والتخطيط ، كما نقل عن هشام بن سالم « 3 » ، والمراد بالتكلّم في السّمع القول بأنّه يسمع بالسّمع أو بالآلة أو القول بوجوديته سواء كان عينا أو زائدا ، إلى غير ذلك من مذاهب العادلين ، وسيجيء تفاصيل ذلك في الأبواب الآتية إن شاء اللّه تعالى . وكأنّ الرّجل قد جاوز الحدّ في التكلّم بهذه الأقوال بين العوام والأرذال ، فلذلك أرشده الإمام - عليه السّلام - بطريق السفارة إلى طرق الهداية ، وهي عدم التجاوز عمّا تضمّنه القرآن المجيد من الكلام في اللّه وفي صفاته وأسمائه ؛ فبيّن له انّ التوحيد هو الذي يدلّ عليه قل هو اللّه ، لأنّه كما عرفت يدلّ على الأحديّة المحضة وعلى الواحدية التي لا يجامعه شيء ولا يشاركه شيء . وقوله :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
في بيان الكيفية إشارة إلى نفي الكيفية عن ذاته تعالى وصفاته العليا ، إذ لو كانت له كيفيّة يشاركه فيها غيره من ذوات الكيفيّات ، وأقلّ ذلك الاشتراك في جنس الكيفية وثبوتها له ولغيره ، وقد قال تعالى :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
. وهذا على تقدير زيادة « الكاف » أو « المثل » واضح ، إذ المعنى حينئذ ليس شيء يماثله ويجانسه ؛ وأمّا على تقدير عدم الزيادة فيدلّ على نفي المماثل ، وعلى نفي الشيء مطلقا ، إذ المعنى ليس شيء في الوجود غيره ، كما ليس في الوجود مثله . وقيل : على هذا التقدير يدلّ على نفي الشيئية عنه لأنّ مثل مثله نفسه ؛ اللّهم الّا أن يراد
هامش
( 1 ) . الكافي ، ج 1 ، ص 104 ؛ التوحيد ، ص 98 .
( 2 ) . التوحيد ، ص 114 وفيه : « انّه أجوف إلى السرّة والباقي صمد » .
( 3 ) . في تعريف الهشامين وأقوال الأئمة - عليهم السّلام - وعلماء الرجال فيهما راجع : تنقيح المقال ، ج 3 ، ص 294 - 302 ؛ أعيان الشيعة ج 10 ، ص 264 و 266 .