شياطين وسدودا وموانع عن الصعود إلى الملاء الأعلى وجوار الأنوار العليا . وإذا توجّه إلى اللّه تعالى وعمل بطاعته وتصدّى للتّقرّب إلى جواره وتجافى عن الجنبة السافلة ، وانقطع إلى اللّه بالكليّة بمعرفة توحيد ذاته وأسمائه وأفعاله والدار الآخرة والنبيين والأولياء والملائكة ، صارت تلك الحجب ملائكة وأنوارا قدسية ، ودرجات يصعد فيها العبد إلى اللّه رفيع الشأن ، وينسلك في سلك القدّيسين الّذين هم عباد الرّحمن . فالموحّد المخلص والعارف المتحقّق بحقائق هذه السورة الشريفة التي هي أصول المعارف ، بل المقصودة من معرفة كل عارف ، انّما يخرق بقراءته العرفانيّة تلك السورة جميع تلك الحجب ، ويجعلها أنوارها قدسيّة وملائكة عرشيّة ومدارج لصعود نفسها إلى المبدأ الأعلى ، لأنّ هذه الحجب انّما نشأت عن العبد عن موطن الوحدة ، والغربة عن محلّ السّرور والنوريّة ، وتسبّبت من سلوك المراتب المتنزّلة « 1 » التي هي مظانّ الشرك والكفر باللّه وحده ؛ وبالجملة ، هذه الحجب هي المراتب الوجوديّة النزوليّة المبتدأة من مبدأ المبادئ إلى أسفل السافلين ، المفصّلة في العالم الكبير ، المندمجة الجملة في العالم الصغير . فمتى كان العبد يتقيّد بمرتبة من المراتب ويحسب السراب ماء للمشارب ، فهو في شرك الشّرك وحبالة الكفر والفرك « 2 » . وإذ أغلب عليه التوحّد وصار الكلّ في نظر عرفانه للّه على التفريد ، يصير كلّ شيء يستغفر له ويصلّي عليه حتّى الحيتان في البحر ، كما ورد في شأن طلبة العلم « 3 » في الخبر « 4 » . وقد عرفت انّ أصول الموجودات هي السّبعون ألف ، فالكلّ يسبّحون له ويطيعونه ويصلّون عليه وصاروا مشاهدين له حالة الموت قال اللّه تعالى :
فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ
« 5 » ولذلك أخبر النبيّ
هامش
( 1 ) . المتنزّلة : المتنازلة ب .
( 2 ) . الفرك ؛ بالكسر والفتح : البغضة عامة ، أو خاصّة ببغضة الزوجين ( قاموس ) .
( 3 ) ، الكافي ، ج 1 ، كتاب فضل العلم ، باب ثواب العالم ، ص 34 .
( 4 ) . في الخبر : للخبر د .
( 5 ) . ق : 22 .