هو معنى التعقّل كما لا يخفى ، والأوّل يلزمه التعقّل لأنّه لمّا كان مجرّدا فليس صنعه بالمباشرة فيكون بالتدبير والعلم ، بأن يضع كل ما يصلح لتلك المادة موضعه اللّائق بها وأن يعدّها للكمالات المقدّرة له ويعطيها الأنوار الفائضة منه . وهذا شأن أهل العلم والشعور وطريقة أهل المعرفة بالأمور . ولا يخفى انّ هذا الوجه يعطى الإمكان الّا ان ينضمّ إليه انّ كل ما يمكن للأمور العالية فهو لها بالفعل ، والّا لكان لها ملابسة مع المادة التي هي منشأ القوة ؛
والوجه الثاني ، وهو سبيل الوجوب والضرورة وهو أن يقال التقدّس فوق التجرّد لأنّ التجرّد عدم ملابسة المواد ، والتقدّس عبارة عن عدم ملابسة الأشياء مطلقا وعن سلب المشاركة لها في معنى أصلا . ولا ريب انّ ما شابه ذلك يكون نسبته إلى كل الأشياء على شرع سواء ، فيجب أن يكون محيطا بها من جميع جهاتها والّا لكانت له خصوصيّة بجهة دون جهة ، هذا خلف . وليست تلك الإحاطة كسبيل إحاطة الماديات أو شبيهة بها ، فهي إذن إحاطة عقليّة ، ولا نعني بالتعقّل الّا هذا . وتحت هذا سرّ لا يفشى ! ولعمري انّ هذا البرهان وكذا البرهان السابق بتقريره ممّا اختصّ بهذه الأوراق !
الحديث الخامس [ في معنى الصّمد ]
بإسناده عن داود بن القاسم الجعفري ، قال : « قلت لأبي جعفر عليه السّلام جعلت فداك ما الصمد ؟ » قال : « السيد المصمود إليه في القليل والكثير » .
شرح : هذا الخبر سبيله واضح ممّا تقدّم . وليعلم انّ معرفة كون المبدأ الأوّل تعالى شأنه مصمودا إليه في القليل والكثير بطريق البرهان - دون التقليد والظنون والأوهام التي لأكثر من انتسب إلى الإيمان والإيقان - عسير جدّا ، لكن مشرب