وقوله : « وسع كلّ شيء علما » يتفرّع على « القدّوس » لأنّه لمّا كان مقدّسا عن ملابسة الأشياء ومنزّها عن مشاركتها مطلقا ، فهو محيط بكلّها والّا لكان في جهة منها ، وإن كانت جهة عقلية ، وذلك يوجب التّحديد كما عرفت غير مرّة .
والبيان البرهانيّ التفصيليّ للأوّل ، هو انّ الماهيات ليست بأنفسها بأشياء ، ولا موجودة ، ولا واحدة ، ولا غير ذلك ، الّا باللّه تعالى ، فكلّ ذلك لها من مبدأها فهي طالبة لموجدها بكمال استحقاق ذواتها كما في الحقائق العالية ، أو مع تمام استعداد موادّها كما في الأمور السّافلة ، وخاضعة له لأن يعطيها كلّ ذلك الّذي ليس لها من أنفسها وليست العبادة إلّا كمال الخضوع ونهاية الطلب في البدء والرجوع ، وفي الخبر في تفسير
إِيَّاكَ نَعْبُدُ
: « ايّاك نطلب » .
والبيان في الثّاني انّ الصّمد معناه التّمام وفوق التّمام . وكلّ شيء دون التمام فانّما يطلب التّمام ويقصده ، سواء في ذلك تمامية الوجود وتمامية سائر الكمالات التّابعة للوجود ، فكلّ شيء يقصده قصدا جبليّا وطلبا ذاتيّا .
وأمّا البيان في الثّالث فمن طريقين :
الأوّل ، طريقة الجمهور : وهو أن يكون التقدّس عبارة عن التجرّد ، والمجرّد القائم بذاته تلزمه الإحاطة العلميّة بما دونه ، وذلك لأنّه غير غائب عن ذاته فهو عالم بذاته ، إذ العلم ليس الّا انكشاف الشّيء وتميّز الضوء عن الفيء ، فيمكن أن يقارن غيره . ومن البيّن انّ مقارنة المجرّد القائم بذاته ، إمّا لمثله فلا يمكن أن يكون من قبيل مقارنة ذوات المقادير والأوضاع بأنحاء المقارنة ولا مقارنة الأمور الحالّة في محلّها « 1 » أو لمحلّها وبالجملة ، على أن يكون منه على وضع خاصّ أو جهة مخصوصة ، فبقي أن يكون بطريق الإحاطة ، وليس هذا الا التعقّل على مشرب الخاصّة ؛ وإمّا مقارنة المجرّد للأمور المادية فإمّا أن تكون بالتّصرّف والتدبير أو بالتجريد والتقشير ليس الّا ، لما قد عرفت من استحالة الاحتمالات الأخر . والثاني
هامش
( 1 ) . محلّها : + أو ن ب د م .